شفاء العليل

أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر: ١٩]، وقوله: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ١١٠]، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾ [آل عمران: ١٥٥]، وقوله: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٨٨]، وقوله: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ رَحُبَت ثُّمَّ رَحُبَتْ ثُمَّ﴾ [التوبة: ٢٥]، وهو كثير في القرآن.

وعلى هذا فيكون النوعان من السيئات ــ أعني: المصائب والمعايب ــ من نفس الإنسان، وكلاهما بقدر الله، فشر النفس هو الذي أوجب هذا وهذا.

وكان النبي ﷺ يقول في خطبته المعروفة: «ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا»١، فشر النفس نوعان: صفة وعمل، والعمل ينشأ عن الصفة، والصفة تتأكد وتقوى بالعمل، فكل منهما يمدّ الآخر.

وسيئات الأعمال نوعان قد فُسّر بهما الحديث:

أحدهما: مساوئها وقبائحها، فتكون الإضافة فيه من إضافة النوع إلى جنسه، وهي إضافة بمعنى «من»، أي السيئات من أعمالنا.

والثاني: أنها ما يسوء العامل مما يعود عليه من عقوبة عمله، فيكون من إضافة المسبَّب إلى سببه، وتكون الإضافة على معنى اللام.

وقد يرجّح الأول بأنه يكون قد استعاذ من الصفة والعمل الناشئ عنها، وذلك يتضمن الاستعاذة من الجزاء السيئ المترتب على ذلك، فتضمنت

  1. (١) تقدم تخريجه في (١/ ٢٧٩).
31

الاستعاذة ثلاثة أمور: الاستعاذة من العذاب، ومن سببه الذي هو العمل، ومن سبب العمل الذي هو الصفة.

وقد يرجّح الثاني أن شرّ النفس يعم النوعين كما تقدم، فسيئات الأعمال ما يسوء من جزائها، ونبّه بقوله: «سيئات أعمالنا» على أن الذي يسوء من الجزاء إنما هو بسبب الأعمال الإرادية، لا من الصفات التي ليست من أعمالنا.

ولمّا كانت تلك الصفة شرًّا استعاذ منها، وأدخلها في شر النفس.

وقال الصديق ﵁ للنبي ﷺ: علّمني دعاء أدعو به في صلاتي، قال: «قل: اللهم فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، ربَّ كل شيء ومليكه، أشهد أن لا إله إلا أنت، أعوذ بك من شر نفسي، وشر الشيطان وشركه، وأن أقترف على نفسي سوءًا أو أجره إلى مسلم. قله إذا أصبحت، وإذا أمسيت، وإذا أخذت مضجعك»١.

ولمّا كان الشر له مصدر يبتدئ منه، وغاية ينتهي إليها، وكان مصدره إما من نفس الإنسان، وإما من الشيطان، وغايته أن يعود على صاحبه، أو على أخيه المسلم= تضمّن الدعاء هذه المراتب الأربعة٢ بأوجز لفظ وأفصحه وأبينه.

  1. (١) أخرجه أحمد (٧٩٦١)، وأبو داود (٥٠٦٧)، والترمذي (٣٣٩٢) وقال: «حسن صحيح»، وصدر الحديث: «علمني شيئًا أقوله إذا أصبحت، وإذا أمسيت»، فكأنّ المؤلف سبق قلمه فركّب صدر حديث آخر لأبي بكر في أدعية الصلاة على هذا المتن، والله أعلم.
  2. (٢) كذا في الأصول بتأنيث العدد، والجادة التذكير مخالفة للمعدود، وتقدم نظيره في كلام المؤلف.
32

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي