شفاء العليل

فصل١

قال السني: فليس لك أيها القدري أن تحتج بالآية التي نحن فيها لمذهبك لوجوه:

أحدها: أنك تقول: فعل العبد - حسنة كان أو سيئة - هو منه لا من الله، بل الله سبحانه قد أعطى كل واحد من الاستطاعة ما يفعل به الحسنات والسيئات، لكن هذا أحدث من عند نفسه إرادةً فعل بها الحسنات، وهذا أحدث إرادة فعل بها السيئات، وليست واحدة من الإرادتين من إحداث الربِّ البتّة، ولا أوجبتها مشيئته.

والآية قد فرّقت بين الحسنة والسيئة، وأنتم لا تفرقون بينهما؛ فإن الله عندكم لم يشأ هذا ولا هذا، ولم يخلق هذا ولا هذا.

قال القدري: إضافة السيئة إلى نفس العبد لكونه هو الذي أحدثها وأوجدها، وإضافة الحسنة إليه سبحانه لكونه هو الذي أمر بها وشرعها.

قال السني: الله سبحانه أضاف إلى العبد ما أصابه من سيئة، وأضاف إلى نفسه ما أصاب العبد من حسنة، ومعلوم أن الذي أصاب العبد هو الذي قام به، والأمر لم يقم بالعبد، وإنما قام به المأمور، وهو الذي أصابه، فالذي أصابه لا تصح إضافته إلى الربّ عندكم، والمضاف إلى الربّ لم يقم بالعبد، فعُلِم أن الذي أصابه من هذا وهذا أمر قائم به، فلو كان المراد به الأفعال الاختيارية من الطاعات والمعاصي لاستوت الإضافة، ولم يصح الفرق، وإن افترقا في كون أحدهما مأمورًا به والآخر منهيًا عنه، على أنّ النهي أيضًا من

  1. (١) انظر: «مجموع الفتاوى» (١٤/ ٢٤٦ - ٢٦٠).
33

الله، كما أنّ الأمر منه، فلو كانت الإضافة لأجل الأمر لاستوى المأمور والمنهي في الإضافة؛ لأن هذا مطلوبٌ إيجاده، وهذا مطلوبٌ إعدامه.

قال القدري: أنا أجوّز تعلّق الطاعة والمعصية بمشيئة الربّ تعالى وإحداثه على وجه الجزاء، لا على سبيل الابتداء، وذلك أن الله سبحانه يعاقب عبده بما يشاء، ويثيبه بما يشاء، فكما يعاقبه بخلْق الجزاء الذي يسوؤه، وخلْق الثواب الذي يسره؛ فكذلك يحسن أن يعاقبه بخلْق المعصية وخلْق الطاعة؛ فإن هذا يكون عدلًا منه، وأما أن يخلق فيه الكفر والمعصية ابتداء بلا سبب فمعاذ الله من ذلك.

قال السني: هذا توسّط حسن جدًّا لا يأباه العقل ولا الشرع، ولكن من أعدى الأول؟ وليس هو عندك مقدورًا لله، ولا واقعًا بمشيئته، فقد أثبتَّ في ملكه ما لا يقدر عليه، وأدخلتَ فيه ما لم يشأه، ونقضتَ أصلك كله؛ فإنك أصّلتَ أن فعل العبد الاختياري قدرة العبد عليه واختياره له ومشيئته تمنع قدرة الربّ عليه ومشيئته له، وهذا الأصل لا فرق فيه بين الابتدائي والجزائي.

قال القدري: فالقرآن قد فرّق بين النوعين، وجعل الكفر والفسوق الثاني جزاءً على الأول، فعُلِم أن الأول من العبد قطعًا، وإلا لم يستقم جعل أحدهما عقوبة على الآخر، وقد صرح تعالى بذلك في قوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ [المائدة: ١٣]، فأضاف نقض الميثاق إليهم، وتقسية القلوب إليه، فالأول سبب منهم، والثاني جزاء منه سبحانه. وقال: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ١١٠]، فأضاف عدم الإيمان أولًا

34

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي