ثم تلاهم على آثارهم محققوهم من العُبّاد، فقالوا: ليس في الكون معصية البتَّة؛ إذ الفاعل مطيع للإرادة موافق للمراد، كما قيل:
أصبحتُ مُنْفَعِلًا لما يختارهمنِّي ففعلي كلُّه طاعاتُ١
ولاموا بعضَ هؤلاء على فعله، فقال: إن كنتُ عصيتُ أمره فقد أطعتُ إرادتَه، ومطيع الإرادة غير ملوم، وهو في الحقيقة غير مذموم.
وقرر محققوهم من المتكلمين هذا المذهب؛ بأن الإرادة والمشيئة والمحبّة في حق الرب سبحانه شيء واحد، فمحبته هي نفس مشيئته، وكل ما في الكون فقد أراده وشاءه، وكل ما شاءه فقد أحبّه.
وأخبرني شيخ الإسلام ــ قدَّس الله روحه ــ أنه لام بعضَ هذه الطائفة على محبّة ما يبغضه الله ورسوله، فقال له المَلوم: المحبة نار تحرق من القلب ما سوى مراد المحبوب، وجميع ما في الكون مراده، فأي شيء أُبْغِضُ منه؟!
قال الشيخ: فقلت له: إذا كان قد سخط على أقوام ولعنهم وذمّهم وغضب عليهم فواليتهم أنت وأحببتهم، وأحببت أفعالهم ورضيتها، تكون مواليًا له أو معاديًا؟
(١) نسبه شيخ الإسلام في "مجموع الفتاوى" (٨/ ٢٥٧) إلى نجم الدين محمد بن سوار بن إسرائيل، الفقير الشاعر الصوفي (٦٧٧ هـ)، وانظر: "تاريخ الإسلام" (١٥/ ٣٤٧). وأورد البيت دون نسبة في: "منهاج السنة" (٣/ ٢٥) و"الفرقان" (٢٣٧)، وسينشده المؤلف في (١/ ٤٨) من هذا الكتاب، وفي: "طريق الهجرتين" (١/ ٥٥، ٣٥٢، ٦٥٩)، و"مدارج السالكين" (١/ ٥٠٤، ٥٥٩، ٦٣٥).
قال: فبُهِتَ الجبري، ولم ينطق بكلمة١.
وزعمت هذه الفرقة أنهم بذلك للسنة ناصرون، وللقدر مثبتون، ولأقوال أهل البدع مبطلون.
هذا، وقد طووا بساط التكليف، وطفّفوا في الميزان غاية التطفيف، وحملوا ذنوبهم على الأقدار، وبرّؤوا نفوسهم في الحقيقة من فعل الذنوب والأوزار، وقالوا: إنها في الحقيقة فِعْل الخلَّاق العليم.
وإذا سمع المنزِّه لربِّه هذا قال: سبحانك هذا بهتان عظيم! فالشرّ ليس إليك، والخير كله في يديك.
ولقد ظنّت هذه الطائفة بالله أسوأ الظن، ونسبته إلى أقبح الظلم، وقالوا: إن أوامر الربّ ونواهيه كتكليف العبد أن يرقى فوق السماوات، أو كتكليف الميت إحياء الأموات، والله يعذب عباده أشدّ العذاب على فعل ما لا يقدرون على تركه، وعلى ترك ما لا يقدرون على فعله، بل يعاقبهم على نفس فعله الذي هو لهم غير مقدور، وليس أحدٌ منهم ميسَّر له، بل هو عليه مقهور، وترى العارف منهم ينشد مُترنّمًا، ومن ربّه مُتشكّيًا ومُتظلّمًا:
ألقاه في اليمّ مكتوفًا وقال له: ... إيّاك إيّاك أن تبتلَّ بالماءِ٢
(١) حكى المؤلف هذه المحاورة عن شيخ الإسلام ابن تيمية في "طريق الهجرتين" (١٨٥، ٦٥٨) و"مدارج السالكين" (٤/ ٢٧٩٣)، وانظر: "الاستقامة" (١/ ٤٢٤) (٢/ ٧٨).
(٢) البيت للحلاج في "ديوانه" ضمن الأعمال الكاملة (٢٨٨)، ونسبه إليه في "وفيات الأعيان" (٢/ ١٤٣)، وشكك الرافعي في تلك النسبة في "تاريخ آداب العرب" (٣/ ١٣٣).