شفاء العليل

وقال القدري: بل آخرها مُحْكَم، وأولها١ متشابه.

قال السني: أخطأتما جميعًا، بل كلاهما محكم مُبِين، وإنما أُتيتما من قلة الفهم في القرآن وتدبره، فليس بين اللفظين تناقض لا في المعنى ولا في العبارة؛ فإنه سبحانه ذكر عن هؤلاء الناكلين عن الجهاد أنهم إنْ ﴿تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ يقولوا لرسوله: ﴿هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾، أي: بسبب ما أمرتنا به من دينك، وترْكنا ما كنّا عليه؛ أصابتنا هذه السيئات؛ لأنك أمرتنا بما أوجبها، فالسيئات ههنا هي المصائب، والأعمال التي ظنّوا أنها سبب المصائب هي التي أُمِروا بها، وقولهم في السيئة التي تصيبهم: ﴿هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ يتناول مصائب الجهاد التي حصلت لهم من الهزيمة والجِرَاح، وقتْل من قُتِل منهم، ويتناول مصائب الرزق على وجه التطيّر والتشاؤم، أي أصابنا هذا بسبب دينك.

كما قال تعالى عن قوم فرعون: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٣١]، أي إذا جاءهم ما يُسرّون به ويتنعمّون به من النعم قالوا: نحن أهل ذلك ومستحقوه، وإن أصابهم ما يسوؤهم قالوا: هذا بسبب ما جاء به موسى.

وقال أهل القرية للمرسَلين: ﴿إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾ [يس: ١٨]، وقال قوم صالح له: ﴿اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾٢ [النمل: ٤٧]، وكانوا يقولون لِمَا ينالهم بسبب الحرب: هذا منك؛ لأنك أمرتنا بالأعمال الموجِبة له. وللمصائب

  1. (١) «م»: «وآخرها» سبق قلم.
  2. (٢) «م» «د»: (إنا تطيرنا) الآية، ووقعت على الصواب في «ج».
39

الحاصلة من غير جهة العدو: وهذا منك أيضًا؛ أي بسبب مفارقتنا لديننا ودين آبائنا والدخول في طاعتك، وهذه حال كل من جعل طاعة الرسول سببًا لشرّ أصابه من السماء أو من الأرض، وهؤلاء كثير في الناس، وهم الأقلون عند الله قدرًا، الأرذلون عنده، ومعلوم أنهم لم يقولوا: ﴿هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ بمعنى: أنك أحدثتها.

ومن فهم هذا تبين له أن قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩] لا يناقض قوله: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، بل هذا تحقيق له؛ فإنه سبحانه بيّن أن النعم والمصائب كلها من عنده، فهو الخالق لها، المقدّر لها، المبتلي خلقه بها، فهي من عنده ليس بعضها خَلْقًا له وبعضها خَلْقًا لغيره، فكيف يضاف بعضها إلى الرسول ﷺ وبعضها إلى الله تعالى؟! ومعلوم أن الرسول لم يُحْدِثها، فلم يبقَ إلا ظنهم أنه سبب لحصولها، إما في الجملة كحال أهل التطيّر، وإما في الواقعة المعيّنة كحال اللائمين له في الجهاد.

فأبطل الله سبحانه ذلك الوهم الكاذب والظن الباطل، وبيّن أن ما جاء به لا يوجب شرًّا البتّة، بل الخير كله فيما جاء به، والشر بسبب أعمالهم وذنوبهم، كما قال الرسل لأهل القرية: ﴿طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ [يس: ١٩].

ولا يناقض هذا قول صالح لقومه: ﴿طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٤٧]، وقوله تعالى عن قوم فرعون: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ١٣١]، بل هاتان١ النسبتان نظير هاتين

  1. (١) تحرفت في «م» «ج» إلى: «هذه»، وفي «د»: «هذا»، والسياق يقتضي المثبت.
40

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي