والشر لا يضاف إلى الله إرادة ولا محبَّة ولا فعلًا ولا وصفًا ولا اسمًا؛ فإنه لا يريد إلا الخير، ولا يحب إلا الخير، ولا يفعل شرًّا، ولا يوصف به، ولا يسمى باسمه، وسنذكر في باب دخول الشر في القضاء الإلهي وجه نسبته إلى قضائه وقدره إن شاء الله١.
فصل٢
وقد اختُلِف في كاف الخطاب في قوله: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾[النساء: ٧٩]، هل هي لرسول الله ﷺ أو هي لكل واحد من الآدميين؟
فقال ابن عباس في رواية الوالبي عنه: «الحسنة: ما فتح الله عليه يوم بدر من الغنيمة والفتح، والسيئة: ما أصابه يوم أحد: أَنْ شُجّ في وجهه، وكُسِرَت رَباعيّته»٣.
وقالت طائفة: بل المراد جنس ابن آدم، كقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾[الانفطار: ٦]، روى٤ سعيد، عن قتادة: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ قال: «عقوبة يا ابن آدم بذنبك»٥.
(١) وهو الباب الحادي والعشرون الآتي في (٨١).
(٢) انظر: «مجموع الفتاوى» (١٤/ ٢٧٣ - ٢٧٥).
(٣) تقدم تخريجه في (٢/ ٢٧).
(٤) «د»: «ثم روى»، بإقحام حرف العطف، ولا وجه له.
(٥) أخرجه الطبري (٧/ ٢٤١).
ورجحت طائفة والزجاج١ القول الأول، واحتجوا بقوله: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾، قالوا: وأيضًا فإنه لم يتقدم ذكر الإنسان ولا خطابه، وإنما تقدم ذكر طائفة قالوا ما حكاه الله عنهم، فلو كانوا هم المرادين لقال: (ما أصابهم، أو ما أصابكم) على طريق الالتفات.
قالوا: وهذا من باب التنبيه؛ لأنه إذا كان سيد ولد آدم وهذا حكمه فكيف بغيره؟
ورجحت طائفة القول الآخر، واحتجت بأن رسول الله ﷺ معصوم لا يصدر عنه ما يوجب أن تصيبه سيئة.
قالوا: والخطاب وإن كان له في الصورة فالمراد به الأمة، كقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾[الطلاق: ١].
قالوا: ولما كان أول الآية خطابًا له أجرى الخطاب جميعه على وجه واحد، فأفرده في الثاني والمراد الجمع، والمعنى: وما أصابكم من سيئة فمن أنفسكم، فالأول له والثاني لأمته، ولهذا لما أفرد إصابة السيئة قال: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾[الشورى: ٣٠]، وقال: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾[آل عمران: ١٦٥]، وقال: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ رَحُبَت ثُّمَّ رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ٢٥ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾[التوبة: ٢٥ - ٢٦]، فأخبر أن الهزيمة بذنوبهم
(١) «والزجاج» انفردت به «د»، وما في «معاني القرآن» (٢/ ٧٩) يخالفه ويوافق القول الآخر، وانظر: «البسيط» (٦/ ٦١٥ - ٦١٨).