شفاء العليل

قال: فبُهِتَ الجبري، ولم ينطق بكلمة١.

وزعمت هذه الفرقة أنهم بذلك للسنة ناصرون، وللقدر مثبتون، ولأقوال أهل البدع مبطلون.

هذا، وقد طووا بساط التكليف، وطفّفوا في الميزان غاية التطفيف، وحملوا ذنوبهم على الأقدار، وبرّؤوا نفوسهم في الحقيقة من فعل الذنوب والأوزار، وقالوا: إنها في الحقيقة فِعْل الخلَّاق العليم.

وإذا سمع المنزِّه لربِّه هذا قال: سبحانك هذا بهتان عظيم! فالشرّ ليس إليك، والخير كله في يديك.

ولقد ظنّت هذه الطائفة بالله أسوأ الظن، ونسبته إلى أقبح الظلم، وقالوا: إن أوامر الربّ ونواهيه كتكليف العبد أن يرقى فوق السماوات، أو كتكليف الميت إحياء الأموات، والله يعذب عباده أشدّ العذاب على فعل ما لا يقدرون على تركه، وعلى ترك ما لا يقدرون على فعله، بل يعاقبهم على نفس فعله الذي هو لهم غير مقدور، وليس أحدٌ منهم ميسَّر له، بل هو عليه مقهور، وترى العارف منهم ينشد مُترنّمًا، ومن ربّه مُتشكّيًا ومُتظلّمًا:

ألقاه في اليمّ مكتوفًا وقال له: ... إيّاك إيّاك أن تبتلَّ بالماءِ٢

  1. (١) حكى المؤلف هذه المحاورة عن شيخ الإسلام ابن تيمية في "طريق الهجرتين" (١٨٥، ٦٥٨) و"مدارج السالكين" (٤/ ٢٧٩٣)، وانظر: "الاستقامة" (١/ ٤٢٤) (٢/ ٧٨).
  2. (٢) البيت للحلاج في "ديوانه" ضمن الأعمال الكاملة (٢٨٨)، ونسبه إليه في "وفيات الأعيان" (٢/ ١٤٣)، وشكك الرافعي في تلك النسبة في "تاريخ آداب العرب" (٣/ ١٣٣).
12

وليس عند القوم في نفس الأمر سبب ولا غاية ولا حكمة، ولا قوة في الأجسام ولا طبيعة ولا غريزة، فليس في الماء قوة التبريد، ولا في النار قوة التسخين، ولا في الأغذية قوة الغذاء، ولا في الأدوية قوة الدواء، ولا في العين قوة الإبصار، ولا في الأذن قوة السماع، ولا في الأنف قوة الشم، ولا في الحيوان قوة فاعلة، ولا قوة جاذبة، ولا ممسكة ولا دافعة.

والربّ تعالى لم يفعل شيئًا بشيء، ولا شيئًا لشيء، فليس في أفعاله باء تسبيب١، ولا لام تعليل، وما ورد من ذلك فمحمول على باء المصاحبة، ولام العاقبة.

وزادوا على ذلك أن الأفعال لا تنقسم في نفسها٢ إلى حَسَن وقبيح، ولا فرق في نفس الأمر بين الصدق والكذب، والبر والفجور، والعدل والظلم، والسجود للرحمن والسجود للشيطان، والإحسان إلى الخلق والإساءة إليهم، ومسبّة الخالق تعالى والثناء عليه، وإنما نعلم الحسن من ذلك من القبيح بمجرد الأمر والنهي، ولذلك يجوز النهي عن كل ما أمر به، والأمر بكل ما نهى عنه، ولو فعل ذلك لكان هذا قبيحًا وهذا حسنًا.

وزاد بعض محقّقيهم على هذا: أن الأجسام كلها متماثلة، فلا فرق في الحقيقة بين جسم النار وجسم الماء، ولا بين جسم الذهب وجسم الخشب، ولا بين المِسْك والرَّجِيع، وإنما تفترق بصفاتها وأعراضها، مع تماثلها في الحدّ والحقيقة.

  1. (١) "د": "تسبُّب" مقيدة، والمثبت من "م"، وانظر: "طريق الهجرتين" (١/ ٢٣٥).
  2. (٢) "م": "أنفسها"، والمثبت من "د" وسيأتي نظيره.
13

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي