الفرق الخامس: أن الحسنة مضافة إليه لأنه أحسن بها من كل وجه وبكل اعتبار كما تقدم، فما من وجه من وجوهها إلا وهو يقتضي الإضافة إليه، وأما السيئة فهو سبحانه إنما قدرها وقضاها لحكمة، وهي باعتبار تلك الحكمة من إحسانه، فإن الربّ تعالى لا يفعل سوءًا قط، كما لا يوصَف به، ولا يُسمَّى باسمه، بل فِعْله كله حُسْن وخير وحكمة ومصلحة، كما قال تعالى: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾١[آل عمران: ٢٦]، وقال أعرف الخلق به: «والشر ليس إليك»٢، فهو لا يخلق شرًّا محضًا من كل وجه، بل كل ما خلقه ففي خلقه مصلحة وحكمة، وإن كان في بعضه شرٌّ جزئي إضافي، وأما الشرّ الكلي المطلق من كل وجه فهو تعالى منزّه عنه، وليس إليه.
الفرق السادس٣: أن ما يحصل للإنسان من الحسنات التي يعملها فهي أمور وجودية متعلقة بمشيئة الربّ وقدرته ورحمته وحكمته، وليست أمورًا عدمية تضاف إلى غير الله، بل هي كلها أمور وجودية، وكل موجود
(١) في جميع النسخ: «بيده الخير».
(٢) جزء من حديث أخرجه مسلم (٧٧١) من حديث علي بن أبي طالب.
(٣) انظر: «مجموع الفتاوى» (١٤/ ٢٧٧ - ٢٨١).
حادث فالله مُحْدِثُهُ وخالقه.
وذلك أن الحسنات إما فعْل مأمور، أو ترْك محظور، والترك أمر وجودي، فترْك الإنسان لما نُهِي عنه، ومعرفته بأنه ذنب قبيح، وبأنه سبب العذاب، وبغضه له، وكراهته له، ومنْع نفسه إذا هويته وطلبته منه= أمور وجودية، كما أن معرفته بأن الحسنات - كالعدل والصدق - حسنة، وفعله لها أمر وجودي.
والإنسان إنما يثاب على ترك السيئات إذا تركها على وجه الكراهة لها، والامتناع منها، وكفّ النفس عنها، قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾[الحجرات: ٧]، وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ﴾[النازعات: ٤٠]، وقال: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾[العنكبوت: ٤٥].
وفي «الصحيحين»١ عنه ﷺ: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومَن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومَن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يُلْقى في النار».
وقد جعل ﷺ البغض في الله من أوثق عرى الإيمان، وهو أصل الترك، وجعل المنع لله من كمال الإيمان، وهو أصل الترك، فقال: «مِنْ أوثق عرى الإيمان٢: الحب في الله، والبغض في الله»٣.
(١) البخاري (١٦)، ومسلم (٤٣) من حديث أنس.
(٢) من قوله: «وهو أصل الترك» إلى هنا ساقط من «م».
(٣) أخرجه الطيالسي (٧٨٣)، وابن أبي شيبة (٣١٠٥٩)، وأحمد (١٨٥٢٤) من حديث البراء، ومدار إسناده على ليث بن أبي سليم وهو ضعيف، وقد اضطرب في إسناده أيضًا. وفي الباب عدة شواهد بين ضعيف ومنكر، انظر: «إتحاف الخيرة» (١/ ٩٦)، «السلسلة الصحيحة» (٩٩٨).