شفاء العليل

مصدره الحياء منهم وخوف أذاهم له وسقوطه من أعينهم، فهذا لا يعاقب عليه، بل قد يثاب عليه إذا كان له فيه غرض يحبه الله من حفظ مقام الدعوة إلى الله، وقبولهم منه ونحو ذلك.

وقد تنازع الناس في الترك: هل هو أمر وجودي أم عدمي؟١

والأكثرون على أنه وجودي.

وقال أبو هاشم وأتباعه: هو عدمي، وإن المأمور يعاقَب على مجرد عدم الفعل، لا على ترك يقوم بقلبه.

وهؤلاء رتبوا الذم والعقاب على العدم المحض.

والأكثرون يقولون: إنما يثاب من ترك المحظور على ترك وجودي يقوم بنفسه، ويعاقَب تارك المأمور على ترك وجودي يقوم بنفسه، وهو امتناعه وكفّه نفسه عن فعل ما أُمِر به.

إذا تبين هذا؛ فالحسنات التي يثاب عليها كلها وجودية، فهو سبحانه الذي حبّب الإيمان والطاعة إلى العبد، وزيّنه في قلبه، وكرّه إليه أضدادها.

وأما السيئات فمنشؤها من الجهل والظلم؛ فإن العبد لا يفعل القبيح إلا لعدم علمه بكونه قبيحًا، أو لهواه وشهوته مع علمه بقبحه، فالأول جهل والثاني ظلم، ولا يترك حسنة إلا لجهله بكونها حسنة، أو لرغبته في ضدها لموافقته هواه وغرضه.

وفي الحقيقة فالسيئات كلها ترجع إلى الجهل، وإلا فلو كان علمه تامًّا

  1. (١) انظر: «مجموع الفتاوى» (١٤/ ٢٨١ - ٢٩٤).
56

برجحان ضررها لم يفعلها؛ فإن هذا خاصّة العقل، فإنه إذا علم أن إلقاءه نفسه من مكان عالٍ يضره لم يقدم عليه، وكذلك لُبْثه تحت حائط مائل، وإلقاء نفسه في ماء مُغْرِق، وأَكْله طعامًا مسمومًا، لا يفعله لعلمه التام بمضرته الراجحة، بل هذه فطرة فطر الله عليها الحيوان بهيمه وناطقه، ومن لم يعلم أن ذلك يضره كالطفل والمجنون والسكران الذي انتهى سكره؛ فقد يفعل ذلك.

وأما من أقدم على ما يضره مع علمه بما فيه من الضرر، فلابد أن يقوم بقلبه أن منفعته له راجحة، فلابد من رجحان المنفعة عنده إما في الظن وإما في المظنون، ولو جزم راكب البحر بأنه يغرق ويذهب ماله لم يركبه أبدًا، بل لابد من رجحان الانتفاع في ظنه، وإن أخطأ في ذلك.

وكذلك الذنوب والمعاصي، فلو جزم السارق بأنه يُؤخذ ويُقطع لم يقدم على السرقة، بل يظن أنه يَسلم ويَظفر بالمال، وكذلك القاتل والشارب والزاني، فلو جزم طالب الذنب بأنه يحصل له الضرر الراجح لم يفعله، بل إما أن لا يكون جازمًا بتحريمه، أو لا يجزم بعقوبته، بل يرجو العفو والمغفرة، أو أن يتوب١، أو يأتي بحسنات تمحو أثره.

وقد يغفل عن هذا كله بقوة وارد الشهوة، واستيلاء سلطانها على قلبه، بحيث غيّبته عن مطالعة مَضرّة الذنب، والغفلة من أضداد العلم، فالغفلة والشهوة أصل الشر كله، قال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨].

  1. (١) «د»: «وأن يتوبو»، بالواو في الموضعين، والمثبت موافق لما في «مجموع الفتاوى»، وهو الأليق بالسياق.
57

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي