شفاء العليل

وحقيقة الأمر أن التزيين إنما يغترّ به الجاهل؛ لأنه يُلْبِسُ له الباطلَ والضارَّ المؤذي صورةَ الحق والنافعَ الملائم.

فأصل البلاء كله من الجهل وعدم العلم، ولهذا قال الصحابة: «كل مَن عصى الله فهو جاهل».

قال تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء: ١٧]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ إِنَّهُ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ فَإِنَّهُ فَأَنَّهُ غَفُورٌ﴾ [الأنعام: ٥٤].

قال أبو العالية: سألت أصحاب محمد ﷺ عن قوله: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ فقالوا: «كل من عصى الله فهو جاهل، ومن تاب قبل الموت فقد تاب من قريب».

وقال قتادة: «أجمع أصحاب رسول الله ﷺ على أن كل ما عُصي الله به فهو جهالة، عمدًا كان أو لم يكن، وكل مَن عصى الله فهو جاهل».

وقال مجاهد: «من عمل ذنبًا من شيخ أو شاب فهو بجهالة».

وقال: «من عصى ربه فهو جاهل، حتى ينزع عن معصيته».

وقال هو وعطاء: «الجهالة العمد».

وقال مجاهد: «من عمل سوءًا خطأ أو عمدًا فهو جاهل حتى ينزع منه».

ذكر هذه الآثار ابن أبي حاتم.

قال: «وروي عن قتادة وعمرو بن مرة والثوري نحو ذلك: خطأ أو عمدًا».

59

وروى عن مجاهد والضحاك: ليس من جهالته١ أن لا يعلم حلالًا ولا حرامًا، ولكن من جهالته حين دخل فيه.

وقال عكرمة: الدنيا كلها جهالة٢.

ومما يبين ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، وكل من خشيه فأطاعه بفعل أوامره وترك مناهيه فهو عالم، كما قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩].

وقال رجل للشعبي: أيها العالم، فقال: «لسنا بعلماء، إنما العالم من يخشى الله»٣.

وقال ابن مسعود: «كفى بخشية الله علمًا، وبالاغترار بالله جهلًا»٤.

وقوله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ يقتضي الحصر من الطرفين: أي لا يخشاه إلا العلماء، ولا يكون عالمًا إلا مَن٥ يخشاه، فلا يخشاه إلا عالم، وما من عالم إلا وهو يخشاه، فإذا انتفى العلم انتفت الخشية، وإذا انتفت الخشية دلت على انتفاء العلم.

  1. (١) «د» «م»: «جهالة»، والمثبت من «ج» موافق لما في مصدر القول.
  2. (٢) انظر: «تفسير ابن أبي حاتم» (٣/ ٨٩٧ - ٨٩٨) (٤/ ١٣٠١)، «جامع البيان» (٦/ ٥٠٧ - ٥١٠).
  3. (٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٣٦٨١٨)، والدارمي (٢٦٤).
  4. (٤) أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (٤٦)، وابن أبي شيبة (٣٥٦٧٤).
  5. (٥) «من» من «ج».
60

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي