شفاء العليل

ينفعهم، فالعلم يضعف قطعًا بالغفلة والإعراض واتباع الهوى وإيثار الشهوات، وهذه الأمور توجب شبهات وتأويلات تضاده.

فتأمل هذا الموضع حق التأمل، فإنه من أسرار القدر والشرع والعدل والحكمة.

فالعلم يُراد به العلم التام المستلزم لأثره، ويراد به المقتضي، وإن لم يتم بوجود شروطه وانتفاء موانعه، فالثاني يجامع الجهل دون الأول، فتبين أن أصل السيئات الجهل وعدم العلم.

وإذا كان كذلك، فعدم العلم ليس أمرًا وجوديًا، بل هو كعدم السمع والبصر والقدرة والإرادة، والعدم ليس شيئًا حتى يستدعي فاعلًا مؤثرًا فيه، بل يكفي فيه عدم مشيئة ضده، وعدم السبب الموجِب لضده.

والعدم المحض لا يضاف إلى الله؛ فإنه شر، والشر ليس إليه.

فإذا انتفى هذا العلم الجازم عن العبد، ونفسه بطبعها متحركة مريدة، وذلك من لوازم نشأتها= تحركت بمقتضى الطبع والشهوة، وغلب ذلك فيها على داعي العلم والمعرفة، فوقعت في أسباب الشر ولا بدّ.

فصل١

والله سبحانه قد أنعم على عباده ــ من جملة إحسانه ونعمه ــ بأمرين، هما أصل السعادة:

أحدهما: أنْ خلقهم في أصل النشأة على الفطرة السليمة، فكل مولود

  1. (١) انظر: «مجموع الفتاوى» (١٤/ ٢٩٥ - ٢٩٧).
64

يولد على الفطرة، حتى يكون أبواه هما اللذان يخرجانه عنها، كما ثبت ذلك عن النبي ﷺ، وشَبَّهَ ذلك بخروج البهيمة صحيحة سالمة حتى يجدعها صاحبها١.

وثبت عنه أنه قال: «يقول الله تعالى: إني خلقت عبادي حنفاء، فأتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرّمتْ عليهم ما أحللتُ لهم، وأمرتْهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا»٢.

فإذا تُرِكت النفس وفطرتَها لم تؤثْر على محبة باريها وفاطرها وعبادته وحده شيئًا، ولم تشرك به، ولم تجحد كماله وربوبيته، وكان أحب شيء إليها، وأطوع شيء لها، وآثر شيء عندها، ولكن يفسدها٣ من يقترن بها من شياطين الجن والإنس بتزيينه وإغوائه، حتى ينغمس٤ موجبها وحكمها.

الأمر الثاني: أنه سبحانه هدى الناس هداية عامة بما أودعه فيهم من المعرفة، ومكَّنهم من أسبابها، وبما أنزل إليهم من الكتب، وأرسل إليهم من الرسل، وعلّمهم ما لم يكونوا يعلمونه، ففي كل نفس ما يقتضي معرفتها بالحق ومحبتها له.

وقد هدى الله كل عبد إلى أنواع من العلم يمكنه التوصّل بها إلى سعادة الآخرة، وجعل في فطرته محبة لذلك، لكن قد يُعرض العبد عن طلب علم ما

  1. (١) تقدم تخريجه في (١/ ١٠٣).
  2. (٢) جزء من حديث أخرجه مسلم (٢٨٦٥) من طريق عياض بن حمار.
  3. (٣) «د» «ج»: «يعدها»، والمثبت من «م» أليق، وموافق لـ «مجموع الفتاوى» (١٤/ ٢٩٦).
  4. (٤) كذا في الأصول، ولعلها: «ينطمس»، والله أعلم.
65

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي