شفاء العليل

لهما، فكانت القدرة والإرادة من إحداثه سبحانه، واختيارها أحد المقدورين المرادين من قبلها، فهي التي رجّحته.

قالوا: والقادر المختار يرجّح أحد مقدوريه على الآخر بغير مرجِّح، كالعطشان إذا قُدِّم له قدحان متساويان من كل وجه، والهارب إذا عَنَّ له طريقان كذلك؛ فإنه يرجح أحدهما بلا مرجِّح.

فالله سبحانه أحدث فيه إرادة الفعل، ولكن الإرادة لا توجب المراد، فأحدثها فيه امتحانًا له وابتلاء، وأقدره على خلافها، وأمره بمخالفتها، ولا ريب أنه قادر على مخالفتها، فلا يلزم من كونها مخلوقة لله حاصلة بإحداثه؛ وجوب الفعل عندها.

وقال أبو الحسين البصري: إنّ فعل العبد يتوقف على الداعي والقدرة، وهما من الله خَلْقًا فيه، وعندهما يجب وجود الفعل باختيار العبد وداعيه، فيكون هو المُحْدِث له بما فيه من الداعي والقدرة.

فهذه طرق أصحابنا في الجواب عما ذكرتم.

قال السني١: لم تتخلّصوا بذلك من الإلزام، ولم تبيّنوا به بطلان حجتهم المذكورة، فلا منعتم مقدماتها وبيّنتم فسادها، ولا عارضتموها بما هو أقوى منها، كما أنهم لم يتخلصوا من إلزامكم، ولم يبيّنوا بطلان دليلكم، وكان غاية ما عندكم وعندهم المعارضة، وبيان كل منكم تناقض الآخر، وهذا لا يفيد نصرة الحق وإبطال الباطل، بل يفيد بيان خطئكم وخطئهم، وعدولكم وإيّاهم عن منهج الصواب.

  1. (١) انظر لما سيأتي من تقرير: «منهاج السنة» (٣/ ٢٣٥ - ٢٤٣).
70

فنقول وبالله التوفيق: مع كل منكما صواب من وجه وخطأ من وجه.

فأما صواب الجبري فمن جهة إسناد الحوادث كلها إلى مشيئة الله وخلقه وقضائه وقدره، والقدري خالف الضرورة في ذلك، فإنّ كون العبد مريدًا فاعلًا بعد أن لم يكن أمرٌ حادث، فإما أن يكون له مُحْدِث وإما أن لا يكون، فإن لم يكن له مُحْدِث لزم حدوث حوادث بلا مُحْدِث، وإن كان له مُحْدِث فإما أن يكون هو العبد، أو الله سبحانه، أو غيرهما.

فإن كان هو العبد فالقول في إحداثه لتلك الفاعلية كالقول في إحداث سببها، ويلزم التسلسل، وهو باطل ههنا بالاتفاق؛ لأن العبد كائن بعد أن لم يكن، فيمتنع أن تقوم به حوادث لا أول لها.

وإن كان غير الله فالقول فيه كالقول في العبد، فتعين أن يكون الله هو الخالق لإرادة العبد وقدرته وإحداثه وفعله.

وهذه مقدمات يقينية لا يمكن القدح فيها، فمن قال: إن إرادة العبد وإحداثه حصل بغير سبب اقتضى حدوث ذلك، وأن العبد أحدث ذلك، وحاله عند إحداثه كما كان قبله، بل خص أحد الوقتين بالإحداث من غير سبب اقتضى تخصيصه، وأنه صار مريدًا فاعلًا مُحْدِثًا بعد أن لم يكن كذلك مِن غير مَن جعله كذلك= فقد قال ما لا يُعقَل، بل يخالف صريح العقل، وقال بحدوث حوادث بلا مُحْدِث.

وقولكم: «إن الإرادة لا تُعلَّل» كلام باطل لا حقيقة له؛ فإن الإرادة أمر حادث، فلابد له من مُحْدِث.

ونظير هذا المحال قولكم في فعل الربّ تعالى: إنه بواسطة إرادة يحدثها

71

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي