شفاء العليل

وداعي الفلاح يدعو إلى أمر آجل في دار غير هذه الدار، لا يُنال إلا بمفارقة ملاذها وطيباتها ومسراتها، وتجرّع مراراتها، والتعرض لآفاتها، وإيثار١ الغير بمحبوباتها ومشتهياتها، وجعل يقول:

خُذْ ما تراه ودَعْ شيئًا سَمعتَ به٢

فقامت الإرادة بين الداعيين، تصغي إلى هذا مرة وإلى هذا مرة، فههنا معركة الحرب ومحل المحنة، فقتيل وأسير، وفائز بالظفر والغنيمة.

فإذا شاء الله ﷿ رحمة عبد جذب قوى إرادته وعزيمته إلى ما ينفعه ويحييه الحياة الطيبة، فأوحى إلى ملائكته: أن ثبتوا عبدي، واصرفوا همته وإرادته إلى مرضاتي وطاعتي، كما قال تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال: ١٢].

وقال النبي ﷺ: «إن للمَلك بقلب ابن آدم لَمّة٣، وللشيطان لَمّة: فلَمّة المَلك إيعاد بالخير وتصديق بالوعد٤، ولَمّة الشيطان إيعاد بالشر وتكذيب بالوعد»، ثم قرأ: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرْكُم بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا﴾ [البقرة: ٢٦٨]٥.

  1. (١) «د» «م»: «وانتشار» دون إعجام، والمثبت من «ج».
  2. (٢) صدر بيت للمتنبي في «الديوان بشرح الواحدي» (٤٩٠)، وعجزه:
    في طَلْعةِ الشمس ما يغنيك عن زحلِ
  3. (٣) اللَّمَّة: الهَمّة والخطرة تقع في القلب، «النهاية في الغريب» (٤/ ٢٧٣).
  4. (٤) هكذا في الموضعين هنا: «بالوعد»، وكذا في أكثر كتب المؤلف، والرواية: «بالحق».
  5. (٥) أخرجه الترمذي (٢٩٨٨)، والنسائي في «الكبرى» (١٠٩٨٥)، من حديث أبي الأحوص، عن عطاء بن السائب، عن مرة، عن ابن مسعود يرفعه، قال الترمذي: «هذا حديث حسن غريب ... لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث أبي الأحوص»، وصححه ابن حبان (٩٩٧)، وعطاء صدوق اختلط، وقد اختُلف عنه في رواية الحديث وقفًا ورفعًا، ورجح أبو زرعة الوقف، انظر: «العلل الكبير» للترمذي (٣٥٣)، «العلل» لابن أبي حاتم (٢٢٢٤).
77

وإذا أراد خذلان عبد أمسك عنه تأييده وتثبيته، وخلّى بينه وبين نفسه، ولم يكن بذلك ظالمًا له؛ لأنه قد أعطاه قدرة وإرادة، وعرّفه الخير والشر، وحذّره طريق الهلاك وعرّفه بها، وحضّه على سلوك طريق النجاة وعرّفه بها، ثم تركه وما اختار لنفسه، وولّاه ما تولى، فإذا وجد شرًّا فلا يلومنّ إلا نفسه.

قال القدري: فتلك الإرادة المعيّنة المستلزِمة للفعل المعيّن إن كانت بإحداث العبد فهو قولنا، وإن كانت بإحداث الربّ فهو قول الجبرية، وإن كانت بغير مُحْدِث لزم المحال.

قال السني: لا تفتقر كل إرادة من العبد إلى مشيئة خاصة من الله توجب حدوثها، بل يكفي في ذلك المشيئة العامة لجعله مريدًا؛ فإن الإرادة هي حركة النفس، والله سبحانه شاء أن تكون متحركة، وأما أن تكون كل حركة تستدعي مشيئة مفردة فلا.

وهذا كما أنه سبحانه شاء أن يكون الحي متنفّسًا، ولا يفتقر كل نفَس من أنفاسه إلى مشيئة خاصة، وكذلك شاء أن يكون هذا الماء بجملته جاريًا، ولا تفتقر كل قطرة منه إلى مشيئة خاصة١ يجري بها، وكذلك مشيئته لحركات الأفلاك، وهبوب الرياح، ونزول الغيث، وكذلك خطرات القلوب،

  1. (١) من قوله: «وكذلك شاء» إلى هنا ساقط من «د».
78

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي