شفاء العليل

وإذا أراد خذلان عبد أمسك عنه تأييده وتثبيته، وخلّى بينه وبين نفسه، ولم يكن بذلك ظالمًا له؛ لأنه قد أعطاه قدرة وإرادة، وعرّفه الخير والشر، وحذّره طريق الهلاك وعرّفه بها، وحضّه على سلوك طريق النجاة وعرّفه بها، ثم تركه وما اختار لنفسه، وولّاه ما تولى، فإذا وجد شرًّا فلا يلومنّ إلا نفسه.

قال القدري: فتلك الإرادة المعيّنة المستلزِمة للفعل المعيّن إن كانت بإحداث العبد فهو قولنا، وإن كانت بإحداث الربّ فهو قول الجبرية، وإن كانت بغير مُحْدِث لزم المحال.

قال السني: لا تفتقر كل إرادة من العبد إلى مشيئة خاصة من الله توجب حدوثها، بل يكفي في ذلك المشيئة العامة لجعله مريدًا؛ فإن الإرادة هي حركة النفس، والله سبحانه شاء أن تكون متحركة، وأما أن تكون كل حركة تستدعي مشيئة مفردة فلا.

وهذا كما أنه سبحانه شاء أن يكون الحي متنفّسًا، ولا يفتقر كل نفَس من أنفاسه إلى مشيئة خاصة، وكذلك شاء أن يكون هذا الماء بجملته جاريًا، ولا تفتقر كل قطرة منه إلى مشيئة خاصة١ يجري بها، وكذلك مشيئته لحركات الأفلاك، وهبوب الرياح، ونزول الغيث، وكذلك خطرات القلوب،

  1. (١) من قوله: «وكذلك شاء» إلى هنا ساقط من «د».
78

ووساوس الصدور، وكذلك مشيئته أن يكون العبد متكلمًا لا يستلزم أن يفرد كل حرف بمشيئة غير مشيئة الحرف الآخر.

وإذا تبين ذلك فهو سبحانه شاء أن يكون عبده شائيًا مريدًا، وتلك الإرادة والمشيئة صالحة للضدين، فإذا شاء أن يهدي عبده صرف داعيه ومشيئته وإرادته إلى ما ينفعه في معاشه ومعاده، وإذا شاء أن يضله تركه ونفسه وتخلى عنه.

والنفس متحركة بطبعها، لابدَّ لها من مراد محبوب هو مألوفها ومألوهها ومعبودها، فإن لم يكن الله وحده هو معبودها ومرادها، وإلا كان غيره لها معبودًا ومرادًا ولابدّ، فإن حركتها ومحبتها من لوازم ذاتها، فإن لم تحب ربها وفاطرها وتعبده أحبت غيره وعبدته، وإن لم تتعلّق إرادتها بما ينفعها في معادها تعلّقت بما يضرها فيه ولابد، فلا تعطيل في طبيعتها، وهكذا خُلِقت.

فإن قلت: فأين مشيئة الله لهداها وضلالها؟

قلت: إذا شاء إضلالها تركها ودواعيها، وخلّى بينها وبين ما تختاره، وإذا شاء هداها جذب دواعيها وإرادتها إليه، وصرف عنها موانع القبول، فيمدها على القدر المشترك بينها وبين سائر النفوس بإمداد وجودي، ويصرف عنها الموانع التي خلّى بينها وبين غيرها فيها، وهذا بمشيئته وقدرته، فلم يخرج شيء من الموجودات عن مشيئته وقدرته وتكوينه البتّة، لكن يكون ما شاء بأسباب وحكم.

ولو أن الجبرية أثبتت الأسباب والحِكَم لانحلت عنها عُقَد هذه

79

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي