شفاء العليل

وقال أيضًا: «الذي تكبر عن السيئات»١.

وقال مقاتل: «المتعظم عن كل سوء»٢.

وقال أبو إسحاق: «الذي تكبر عن ظلم عباده»٣.

وكذلك اسمه «العزيز» الذي له العزة التامة، ومن تمام عزته براءته عن كل سوء وشر وعيب، فإن ذلك ينافي العزة التامة.

وكذلك اسمه «العلي» الذي علا عن كل عيب وسوء ونقص، ومن كمال علوه أن لا يكون فوقه شيء، بل يكون فوق كل شيء.

وكذلك اسمه «الحميد» وهو الذي له الحمد كله، فكمال حمده يوجب أن لا يُنسب إليه شر ولا سوء ولا نقص، لا في أسمائه، ولا في أفعاله، ولا في صفاته.

فأسماؤه الحسنى تمنع نسبة الشر والسوء والظلم إليه، مع أنه سبحانه الخالق لكل شيء، فهو الخالق للعباد وأفعالهم وحركاتهم وأقوالهم.

والعبد إذا فعل القبيح المنهي عنه كان قد فعل الشر والسوء، والربُّ تعالى هو الذي جعله فاعلًا لذلك، وهذا الجعْل منه عدل وحكمة وصواب، فجعْله فاعلًا خير، والمفعول شر وقبيح.

فهو سبحانه بهذا الجعْل قد وضع الشيء موضعه، لما له في ذلك من

  1. (١) نسبه إليه الماوردي في «النكت والعيون» (٥/ ٥١٤).
  2. (٢) انظر: «تفسير مقاتل» (٤/ ٢٨٦)، «البسيط» (٢١/ ٣٩٩).
  3. (٣) «معاني القرآن» (٥/ ١٥١).
85

الحكمة البالغة التي يُحمد عليها، فهو خير وحكمة ومصلحة، وإن كان وقوعه من العبد عيبًا ونقصًا وشرًّا.

وهذا أمر معقول في الشاهد؛ فإن الصانع الخبير إذا أخذ الخشبة العوجاء، والحجر المكسور، واللبنة الناقصة، فوضع ذلك في موضع يليق به ويناسبه= كان ذلك منه عدلًا وصوابًا يُمدح به، وإن كان في المحل عوج ونقص وعيب يُذم به المحل.

ومن وَضَع الخبائث في موضعها ومحلها اللائق بها كان ذلك حكمة وعدلًا وصوابًا. وإنما السّفَه والظلم أن يضعها في غير موضعها، فمن وضع العمامة على الرأس، والنعل في الرجل، والكحل في العين، والزُّبالة في الكُنَاسة، فقد وضع الشيء موضعه، ولم يظلم النعل والزُّبالة إذ هذا محلهما.

ومن أسمائه سبحانه «العدل» و«الحكيم» الذي لا يضع الشيء إلا في موضعه، فهو المحسن الجواد الحكيم الحَكَم العدل في كل ما خلقه، وفي كل ما وضعه في محله وهيَّأه له.

وهو سبحانه له الخلق والأمر، فكما أنه في أمره لا يأمر إلا بأرجح الأمرين، ويأمر بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، وإذا تعارض أمران رجّح أحسنهما وأصلحهما، وليس في الشريعة أمر يُفعل إلا ووجوده للمأمور خير من عدمه، ولا نهي عن فعل إلا وعدمه خير من وجوده.

فإن قلت: فإذا كان وجوده خيرًا من عدمه، فكيف لا يشاء وجوده؟ وإذا كان عدمه خيرًا من وجوده، فكيف يشاء وجوده؟ فالمشيئة العامة تنقض عليك هذه القاعدة الكلية.

86

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي