شفاء العليل

الحكمة البالغة التي يُحمد عليها، فهو خير وحكمة ومصلحة، وإن كان وقوعه من العبد عيبًا ونقصًا وشرًّا.

وهذا أمر معقول في الشاهد؛ فإن الصانع الخبير إذا أخذ الخشبة العوجاء، والحجر المكسور، واللبنة الناقصة، فوضع ذلك في موضع يليق به ويناسبه= كان ذلك منه عدلًا وصوابًا يُمدح به، وإن كان في المحل عوج ونقص وعيب يُذم به المحل.

ومن وَضَع الخبائث في موضعها ومحلها اللائق بها كان ذلك حكمة وعدلًا وصوابًا. وإنما السّفَه والظلم أن يضعها في غير موضعها، فمن وضع العمامة على الرأس، والنعل في الرجل، والكحل في العين، والزُّبالة في الكُنَاسة، فقد وضع الشيء موضعه، ولم يظلم النعل والزُّبالة إذ هذا محلهما.

ومن أسمائه سبحانه «العدل» و«الحكيم» الذي لا يضع الشيء إلا في موضعه، فهو المحسن الجواد الحكيم الحَكَم العدل في كل ما خلقه، وفي كل ما وضعه في محله وهيَّأه له.

وهو سبحانه له الخلق والأمر، فكما أنه في أمره لا يأمر إلا بأرجح الأمرين، ويأمر بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، وإذا تعارض أمران رجّح أحسنهما وأصلحهما، وليس في الشريعة أمر يُفعل إلا ووجوده للمأمور خير من عدمه، ولا نهي عن فعل إلا وعدمه خير من وجوده.

فإن قلت: فإذا كان وجوده خيرًا من عدمه، فكيف لا يشاء وجوده؟ وإذا كان عدمه خيرًا من وجوده، فكيف يشاء وجوده؟ فالمشيئة العامة تنقض عليك هذه القاعدة الكلية.

86

قلت: لا تنقضها؛ لأن وجوده وإن كان خيرًا من عدمه فقد يستلزم وجوده١ فوات محبوب له هو أحب إليه من وقوع هذا المأمور من هذا المعنى، وعدم المنهي وإن كان خيرًا من وجوده فقد يكون وجوده وسيلة وسببًا إلى ما هو أحب إليه من عدمه، وسيأتي تمام تقرير ذلك في باب اجتماع القدر والشرع وافتراقهما، إن شاء الله٢.

والربّ سبحانه إذا أمر بشيء فقد أحبه ورضيه، وأراده إرادة دينية، وهو لا يحب شيئًا إلا ووجوده خير من عدمه، وما نهى عنه فقد أبغضه وكرهه، وهو لا يبغض شيئًا إلا وعدمه خير من وجوده، هذا بالنظر إلى ذات هذا وهذا، وأما باعتبار إفضائه إلى ما يحب ويكره فله حكم آخر.

ولهذا أمر سبحانه عباده أن يأخذوا بأحسن ما أُنزِل إليهم، فالأحسن هو المأمور به، وهو خير من المنهي عنه.

وإذا كانت هذه سنته في أمره وشرعه فهكذا سنته في خلقه وقضائه وقدره، فما أراد أن يخلقه أو يفعله كان أن يخلقه ويفعله خيرًا من أن لا يخلقه ولا يفعله، وبالعكس، وما كان عدمه خيرًا من وجوده فوجوده شر، وهو لا يفعله، بل هو منزّه عنه، والشر ليس إليه.

فإن قلت: فلِمَ خَلَقه وهو شر؟

قلت: خَلْقه له وفِعْله خير لا شر؛ فإن الخلق والفعل قائم به سبحانه، والشر يستحيل قيامه به، واتصافه به، وما كان في المخلوق من شر فلعدم

  1. (١) هكذا في الأصول بإعادة: «وجوده».
  2. (٢) وهو الباب التاسع والعشرون الآتي في (٣٧٧).
87

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي