شفاء العليل

قلت: لا تنقضها؛ لأن وجوده وإن كان خيرًا من عدمه فقد يستلزم وجوده١ فوات محبوب له هو أحب إليه من وقوع هذا المأمور من هذا المعنى، وعدم المنهي وإن كان خيرًا من وجوده فقد يكون وجوده وسيلة وسببًا إلى ما هو أحب إليه من عدمه، وسيأتي تمام تقرير ذلك في باب اجتماع القدر والشرع وافتراقهما، إن شاء الله٢.

والربّ سبحانه إذا أمر بشيء فقد أحبه ورضيه، وأراده إرادة دينية، وهو لا يحب شيئًا إلا ووجوده خير من عدمه، وما نهى عنه فقد أبغضه وكرهه، وهو لا يبغض شيئًا إلا وعدمه خير من وجوده، هذا بالنظر إلى ذات هذا وهذا، وأما باعتبار إفضائه إلى ما يحب ويكره فله حكم آخر.

ولهذا أمر سبحانه عباده أن يأخذوا بأحسن ما أُنزِل إليهم، فالأحسن هو المأمور به، وهو خير من المنهي عنه.

وإذا كانت هذه سنته في أمره وشرعه فهكذا سنته في خلقه وقضائه وقدره، فما أراد أن يخلقه أو يفعله كان أن يخلقه ويفعله خيرًا من أن لا يخلقه ولا يفعله، وبالعكس، وما كان عدمه خيرًا من وجوده فوجوده شر، وهو لا يفعله، بل هو منزّه عنه، والشر ليس إليه.

فإن قلت: فلِمَ خَلَقه وهو شر؟

قلت: خَلْقه له وفِعْله خير لا شر؛ فإن الخلق والفعل قائم به سبحانه، والشر يستحيل قيامه به، واتصافه به، وما كان في المخلوق من شر فلعدم

  1. (١) هكذا في الأصول بإعادة: «وجوده».
  2. (٢) وهو الباب التاسع والعشرون الآتي في (٣٧٧).
87

إضافته ونسبته إليه، والفعل والخلق مضاف إليه؛ فكان خيرًا.

والذي يشاؤه كله خير، والذي لم يشأ وجوده بقي على العدم الأصلي وهو الشر، فإن الشرّ كله عدم، فإن سببه جهل وهو عدم العلم، أو ظلم وهو عدم العدل، وما ترتب على ذلك من الآلام فهو من عدم استعداد المحل، وقبوله لأسباب الخيرات واللذات.

فإن قلت: كثير من الناس يطلق القول بأن الخير كله من الوجود ولوازمه، والشر كله من العدم ولوازمه، والوجود خير، والشر المحض لا يكون إلا عدمًا.

قلت: هذا اللفظ فيه إجمال، فإن أريد به أنّ كل ما خلقه الله وأوجده ففيه الخير، ووجوده خير من عدمه، وما لم يخلقه ولم يشأه فهو المعدوم الباقي على عدمه، وهو لا خير فيه، إذ لو كان فيه خير لفعله، فإنه سبحانه بيده الخير= فهذا صحيح، فالشر العدمي هو عدم الخير.

وإن أريد أن كل ما يلزم الوجود فهو خير، وكل ما يلزم العدم فهو شر= فليس بصحيح؛ فإن الوجود قد يلزمه شر مرجوح، والعدم قد يلزمه خير راجح.

مثال الأول: النار والمطر، والحر والبرد والثلج، ووجود الحيوانات، فإن هذا موجود ويلزمه شر جزئي مغمور بالنسبة إلى ما في وجود ذلك من الخير.

وكذلك١ المأمور به قد يلزمه من الألم والمشقة ما هو شر جزئي

  1. (١) «د»: «وذلك».
88

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي