شفاء العليل

مغمور بالنسبة إلى ما فيه من الخير.

فصل١

وتحقيق الأمر أن الشر نوعان: شر محض حقيقي من كل وجه، وشر نسبي إضافي من وجه دون وجه.

فالأول: لا يدخل في الوجود؛ إذ لو دخل في الوجود لم يكن شرًّا محضًا.

والثاني: هو الذي يدخل في الوجود، فالأمور التي يقال هي شرور إما أن تكون أمورًا عدمية، أو أمورًا وجودية، فإن كانت عدمية فإنها إما أن تكون عدمًا لأمور ضرورية للشيء في وجوده، أو ضرورية له في دوام وجوده وبقائه، أو ضرورية له في كماله، وإما أن تكون غير ضرورية له في وجوده ولا بقائه ولا كماله، وإن كان وجودها خيرًا من عدمها، فهذه أربعة أقسام:

فالأول: كالإحساس والحركة والتنفس للحيوان.

والثاني: كقوة الاغتذاء والنمو للحيوان المغتذي النامي.

والثالث: كصحته وسمعه وبصره وقوته.

والرابع: كالعلم بدقائق المعلومات التي العلم بها خير من الجهل، وليست ضرورية له.

وأما الأمور الوجودية فوجود كل ما يضاد الحياة والبقاء والكمال، كالأمراض وأسبابها، والآلام وأسبابها، والموانع الوجودية التي تمنع حصول الخير، ووصوله إلى المحل القابل له، المستعد لحصوله، كالمواد الرديّة

  1. (١) انظر: «المباحث المشرقية» (٢/ ٥٢٠ - ٥٢٢)، «طريق الهجرتين» (١/ ٣٣٤ - ٣٤٠).
89

المانعة من وصول الغذاء إلى أعضاء البدن وانتفاعها به، وكالعقائد الباطلة، والإرادات الفاسدة المانعة لحصول أضدادها للقلب.

إذا عُرِف هذا فالشر بالذات هو عدم ما هو ضروري للشيء في وجوده أو بقائه أو كماله، ولهذا العدم لوازم هي شر أيضًا، فإن عدم العلم والعدل يلزمهما من الجهل والظلم ما هو شرور وجودية، وعدم الصحة والاعتدال يلزمهما من الألم والضرر ما هو شر وجودي.

وأما عدم الأمور المُستغنَى عنها كعدم الغنى المفرط، والعلوم التي لا يضر الجهل بها؛ فليس بشرٍّ في الحقيقة، ولا وجودها سببًا للشر؛ فإن العلم من حيث هو علم، والغنى من حيث هو غنى؛ لم يوضع سببًا للشر، وإنما يترتب الشر من عدم صفة تقتضي الخير، كعدم العفة والصبر والعدل في حق الغني، فيحصل الشر له في غناه بعدم هذه الصفات، وكذلك عدم الحكمة ووضع الشيء موضعه، وعدم إرادة الخير في حق صاحب العلم، يوجب ترتب الشر له على ذلك في علمه.

فظهر أن الشر لم يترتب إلا على عدم، وإلا فالموجود من حيث وجوده لا يكون شرًّا ولا سببًا للشر، فالأمور الوجودية ليست شرورًا بالذات، بل بالعَرَض من حيث إنها تتضمن عدم أمور ضرورية أو نافعة١، فإنك لا تجد شيئًا من الأفعال التي هي شر إلا وهو كمال بالنسبة إلى الفاعل، وجهة الشر فيه بالنسبة إلى أمور أُخر.

مثال ذلك: أن الظلم يصدر عن قوة تطلب الغلبة والقهر، وهي القوة

  1. (١) «د» «م»: «مانعة» مهملة، والمثبت من «ج» هو الصواب.
90

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي