شفاء العليل

الغضبية، التي كمالها بالغلبة، ولهذا خُلِقت، فليس في ترتب أثرها عليها شر من حيث وجوده، بل الشر عدم ترتب أثرها عليها البتّة، فتكون ضعيفة عاجزة مقهورة، وإنما الشر الوجودي الحاصل شر إضافي بالنسبة إلى المظلوم لفوات ماله أو نفسه أو تصرفه، وبالنسبة إلى الظالم لا من حيث الغلبة والاستيلاء، ولكن من حيث وضع الغلبة والقهر والاستيلاء في غير موضعه، فعدل به عن محله إلى غير محله.

فلو استعمل١ قوة الغضب في قهر المؤذي الباغي من الحيوانات الناطقة والبهيمة لكان ذلك خيرًا، ولكن عدل به إلى غير محله، فوضَعَ القهر والغلبة موضع العدل والنصفة، ووَضَع الغلظة موضع الرحمة.

فلم يكن الشر في وجود هذه القوة، ولا في ترتب أثرها عليها من حيث هما كذلك، بل في إجرائها في غير مجراها.

ومثال ذلك: ماء جار في نهر إلى أرض يسقيها وينفعها، فكماله في جريانه حتى يصل إليها، فإذا عدل به عن مجراه وطريقه إلى أرض يضرها ويخرب دورها؛ كان الشر في العدول به عما أُعدّ له، وعدم وصوله إليه.

فهكذا الإرادة والغضب؛ أُعِين بهما العبد ليتوصل بهما إلى حصول ما ينفعه، وقهر ما يؤذيه ويهلكه، فإذا استُعمِلا في ذلك فهو كمالهما وهو خير، وإذا صُرِفا عن ذلك إلى استعمال هذه القوة في غير محلها، وهذه في غير محلها؛ صار ذلك شرًّا إضافيًا نسبيًا.

وكذلك النار كمالها في إحراقها، فإذا أحرقت ما ينبغي إحراقه فهو خير،

  1. (١) «د» «م»: «نفد»، والمثبت من «ج» أليق.
91

وإن صادفت ما لا ينبغي إحراقه فأفسدته فهو شر إضافي بالنسبة إلى المحل المعيّن.

وكذلك القتل مثلًا، هو استعمال الآلة القطّاعة في تفريق اتصال البدن، فقوة الإنسان على استعمال الآلة خير، وكون الآلة قابلة للتأثير خير، وكون المحل قابلًا لذلك خير، وإنما الشر نسبي إضافي، وهو وضع هذا التأثير في غير موضعه، والعدول به عن المحل المؤذي إلى غيره، هذا بالنسبة إلى الفاعل، وأما بالنسبة إلى المقتول١ فهو شر إضافي أيضًا، وهو ما حصل له من التألم، وفاته من الحياة، وقد يكون ذلك خيرًا له من جهة أخرى، وخيرًا لغيره.

وكذلك الوطء؛ فإن قوة الفاعل وقبول المحل كمال، ولكن الشر في العدول به عن المحل الذي يليق به إلى محل لا يحسن ولا يليق.

وهكذا حركة اللسان وحركات الجوارح كلها جارية هذا المجرى.

فظهر أن دخول الشر في الأمور الوجودية إنما هو بالنسبة والإضافة، لا أنها من حيث وجودها وذواتها شر.

وكذلك السجود ليس هو شرًّا من حيث ذاته ووجوده، فإذا أضيف إلى غير الله كان شرًّا بهذه النسبة والإضافة.

وكذلك كل ما وجوده كفر وشرك إنما كان شرًّا بإضافته إلى ما جعله كذلك، كتعظيم الأصنام، فالتعظيم من حيث هو تعظيم لا يُمدح ولا يُذم إلا باعتبار متعلقه، فإذا كان تعظيمًا لله وكتابه ودينه ورسوله كان خيرًا محضًا،

  1. (١) «ج»: «المفعول».
92

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي