شفاء العليل

وإن صادفت ما لا ينبغي إحراقه فأفسدته فهو شر إضافي بالنسبة إلى المحل المعيّن.

وكذلك القتل مثلًا، هو استعمال الآلة القطّاعة في تفريق اتصال البدن، فقوة الإنسان على استعمال الآلة خير، وكون الآلة قابلة للتأثير خير، وكون المحل قابلًا لذلك خير، وإنما الشر نسبي إضافي، وهو وضع هذا التأثير في غير موضعه، والعدول به عن المحل المؤذي إلى غيره، هذا بالنسبة إلى الفاعل، وأما بالنسبة إلى المقتول١ فهو شر إضافي أيضًا، وهو ما حصل له من التألم، وفاته من الحياة، وقد يكون ذلك خيرًا له من جهة أخرى، وخيرًا لغيره.

وكذلك الوطء؛ فإن قوة الفاعل وقبول المحل كمال، ولكن الشر في العدول به عن المحل الذي يليق به إلى محل لا يحسن ولا يليق.

وهكذا حركة اللسان وحركات الجوارح كلها جارية هذا المجرى.

فظهر أن دخول الشر في الأمور الوجودية إنما هو بالنسبة والإضافة، لا أنها من حيث وجودها وذواتها شر.

وكذلك السجود ليس هو شرًّا من حيث ذاته ووجوده، فإذا أضيف إلى غير الله كان شرًّا بهذه النسبة والإضافة.

وكذلك كل ما وجوده كفر وشرك إنما كان شرًّا بإضافته إلى ما جعله كذلك، كتعظيم الأصنام، فالتعظيم من حيث هو تعظيم لا يُمدح ولا يُذم إلا باعتبار متعلقه، فإذا كان تعظيمًا لله وكتابه ودينه ورسوله كان خيرًا محضًا،

  1. (١) «ج»: «المفعول».
92

وإن كان تعظيمًا للصنم وللشيطان فإضافته إلى هذا المحل جعلته شرًّا، كما أن إضافة السجود إلى غير الله جعلته كذلك.

فصل

ومما ينبغي أن يُعلم أن الأشياء المكوَّنة من موادها شيئًا فشيئًا كالنبات والحيوان، إما أن يعرض لها النقص الذي هو شر في ابتدائها، أو بعد تكوّنها.

فالأول: هو بأن يعرض لمادتها من الأسباب ما يجعلها رديَّة المزاج، ناقصة الاستعداد، فيقع الشر فيها، والنقص في خلقتها بذلك السبب، وليس ذلك بأن الفاعل حرَمه وأذهب عنه أمرًا وجوديًا به كماله، بل لأن المُنفعِل لم يقبل الكمال والتمام، وعدم قبوله أمر عدمي ليس بالفاعل، وإنما الذي بالفاعل هو الخير الوجودي الذي يقبل به كماله وتمامه، فنقصه والشر الذي حصل فيه هو من عدم إمداده بسبب الكمال، فبقي على العدم الأصلي.

وبهذا يُفهم سرّ قوله تعالى: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ [الملك: ٣]، فإن ما خَلَقه فهو أمر وجودي به كمال المخلوق وتمامه، وأما عيبه ونقصه فمن عدم قبوله، وعدم القبول ليس أمرًا مخلوقًا يتعلق بفعل الفاعل، فالخلق الوجودي ليس فيه تفاوت، والتفاوت إنما حصل بسبب فَقْد هذا الخلق، فإن الخالق سبحانه لم يخلق له استعدادًا، فحصل التفاوت فيه من عدم الخلق لا من نفس الخلق، فتأمله.

والذي إلى الرب سبحانه هو الخلق، وأما العدم فليس هو بفاعل، فإذا لم تكمل مادةُ الجنين في الرحم بما يقتضي كماله وسلامة أعضائه واعتدالها حصل فيه التفاوت، وكذلك النبات.

93

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي