شفاء العليل

فصل

وأما الثاني وهو الشر الحاصل بعد تكوّنه وإيجاده، فهو نوعان أيضًا:

أحدهما: أن يقطع عنه الإمداد الذي به كماله بعد وجوده، كما يقطع عن النبات إمداده بالسقي، وعن الحيوان إمداده بالغذاء، فهذا شر مضاف إلى العدم أيضًا، وهو عدم ما يكمل به.

الثاني: حصول مضادٍّ منافٍ، وهو نوعان:

أحدهما: قيام مانع في المحل يمنع تأثير الأسباب الصالحة فيه، كما تقوم بالبدن أخلاط رديّة تمنع تأثير الغذاء فيه وانتفاعه به، وكما تقوم بالقلب إرادات واعتقادات فاسدة تمنع انتفاعه بالهدى والعلم، فهذا الشر وإن كان وجوديًا، وأسبابه وجودية فهو أيضًا من عدم القوة أو الإرادة التي يدفع بها ذلك المانع، فلو وُجِدت قوة وإرادة تدفعه لم يتأثر المحل به.

مثال ذلك: أن غلبة الأخلاط واستيلاءها من عدم القوة المنضجة لها، أو القوة الدافعة لما١ يحتاج إلى خروج، وكذلك استيلاء الإرادات الفاسدة هو لضعف قوة العفة والشجاعة والصبر، واستيلاء الاعتقادات الباطلة لعدم العلم المطابق لمعلومه.

فكل شر ونقص فإنما حصل بعدم سبب ضده، وعدم سبب ضده ليس فاعلًا له، بل يكفي فيه بقاؤه على العدم الأصلي.

الثاني: مانع من خارج، كالبرد الشديد والحريق والغرق ونحو ذلك مما

  1. (١) «د»: «والقوة الدافعة لها».
94

يصيب الحيوان والنبات، فيحدث فيه الفساد، فهذا لا ريب أنه شر وجودي مستند إلى سبب وجودي، ولكنه شر نسبي إضافي، وهو خير من وجه آخر، فإن وجود ذلك الحر والبرد والماء يترتب عليه مصالح وخيرات كُلّية، هذا الشر بالنسبة إليها جزئي. فتعطيل تلك الأسباب لتفويت هذا الشر الجزئي يتضمن شرًّا أكبر منه، وهو فوات تلك الخيرات الحاصلة بها.

فإن ما يحصل بالشمس والريح والمطر والثلج والحر والبرد من مصالح الخلق أضعاف أضعاف ما يحصل بذلك من مفاسد جزئية، هي في جنب تلك المصالح كقطرة في بحر.

هذا لو كان شرها حقيقيًّا، فكيف وهي خير من وجه، وشر من وجه، وإن لم يَعلم جهة الخير فيها كثيرٌ من الناس، فما قدّرها الربّ تعالى سدى، ولا خلقها باطلًا.

وعند هذا فيقال: الوجود إما أن يكون خيرًا من كل وجه، أو شرًّا من كل وجه، أو خيرًا من وجه شرًّا من وجه، وهذا على ثلاثة أقسام: قسم خيره راجح على شره، وعكسه، وقسم مستوٍ خيره وشره، وإما أن لا يكون فيه خير ولا شر، فهذه ستة أقسام١ لا مزيد عليها، فبعضها واقع وبعضها غير واقع.

فأما القسم الأول وهو الخير المحض من كل وجه الذي لا شر فيه بوجه ما، فهو أشرف الوجودات٢ على الإطلاق، وأكملها وأجلها، وكل خير

  1. (١) باعتبار أن قوله: «أو خيرًا من وجه شرًّا من وجه» مذكورٌ لبيان الأقسام التالية له، لا قسيمًا.
  2. (٢) «د» «ج»: «الموجودات».
95

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي