شفاء العليل

وأي خير يغلب في خلق الكفر والفسوق والعصيان والظلم والبغي؟

وأي خير في إيلام غير المكلفين، كالأطفال والمجانين؟

فإن قلتم: فائدته التعويض؛ انتقض عليكم بإيلام البهائم.

ثم١ وأيّ خير في خلق الدجال، وتمكينه من الظهور والافتتان به؟ وإذ قد اقتضت الحكمة ذلك فأي خير حصل في تمكينه من إظهار تلك الخوارق والعجائب؟

وأي خير في السحر وما يترتب عليه من المفاسد والمضار؟

وأي خير في إلباس الخلق شِيَعًا، وإذاقة بعضهم بأس بعض؟

وأي خير في خلق السموم وذوات السموم، والحيوانات العادِيَة المؤذية بطبعها؟

وأي خير في خراب هذه البِنْية بعد خلقها في أحسن تقويم، وردّها إلى أرذل العمر بعد استقامتها وصلاحها؟

وكذلك خراب هذه الدار ومحو أثرها.

فإن كان وجود ذلك خيرًا غالبًا فإبطاله إبطال للخير الغالب.

دع هذا كله، فأي خير راجح أو مرجوح في النار، وهي دار الشر الأعظم والبلاء الأكبر؟

ولا خلاص لكم عن هذه الأسئلة إلا بسدّ باب الحكمة والتعليل،

  1. (١) «ثم» من «ج».
99

وإسناد الكون إلى محض المشيئة، أو القول بالإيجاب الذاتي، وأن الربّ لا يفعل باختياره ومشيئته.

وهذه الأسئلة إنما ترد على مَن يقول بالفاعل المختار، فلهذا لجأ القائلون به إلى إنكار التعليل جملة، فاختاروا أحد المذهبين، وتحيّزوا إلى إحدى الفئتين، وإلا فكيف تجمعون بين القول بالحكمة والتعليل وبين هذه الأمور؟!

فالجواب بعد أن نقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، بل في تحقيق هذه الكلمات الجواب الشافي.

﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ﴾ [آل عمران: ١٩١]، ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ ٣٨ مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا﴾ [الدخان: ٣٨ - ٣٩]، ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص: ٢٧]، ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ١١٥ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٥ - ١١٦]، ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢]، ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٧]، ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨]، و﴿أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ [السجدة: ٧].

فما في خلقه سبحانه من تفاوت، بل هو في غاية التناسب، واقع على

100

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي