شفاء العليل

وكونه أكبر من كل شيء في ذاته وأوصافه وأفعاله ينفي ذلك، فمن١ رسخت معرفته في معنى: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وسافر قلبه في منازلها، وتلقى معانيها من مشكاة النبوة، لا من مشكاة الفلسفة والكلام الباطل وآراء المتكلمين.

فهذا أصل يجب التمسك به في هذا المقام، وأن يُعرف أن عقول العالمين ومعارفهم وعلومهم وحكمهم تقصر عن الإحاطة بتفاصيل حكمة الرب تعالى في أصغر مخلوقاته.

الأصل الثاني: أنه سبحانه حيّ حقيقة، وحياته أكمل الحياة وأتمها، وهي حياة تستلزم جميع صفات الكمال، ونفي أضدادها من جميع الوجوه، ومن لوازم الحياة الفعل الاختياري؛ فإن كل حيّ فعّال، وصدور الفعل عن الحيّ بحسب كمال حياته ونقصها، فكل مَن كانت حياته أكمل من غيره كان فعله أقوى وأكمل، وكذلك قدرته، ولهذا كان الربُّ تعالى على كل شيء قدير، وهو فعَّال لما يريد.

وقد ذكر البخاري في كتاب «خلق الأفعال» عن نعيم بن حماد أنه قال: «الحيُّ هو الفعّال، وكل حيّ فعّال»٢.

فلا فرق بين الحيِّ والميت إلا بالفعل والشعور.

وإذا كانت الحياة مستلزِمة للفعل ــ وهو الأصل الثالث ــ فالفعل الذي لا يعقل الناس سواه هو الفعل الاختياري الإرادي، الحاصل بقدرة الفاعل

  1. (١) كذا في الأصول بشرط دون جواب، فلعلها: «فيمن»، وفي «ط»: «لمن».
  2. (٢) «خلق أفعال العباد» (٢/ ١٩٢) بمعناه، ولم أقف على نص كلام نعيم، وعزاه المصنف في موضع سابق إلى الدارمي وغيره، انظر: (١/ ١٦).
107

وإرادته ومشيئته، وما يصدر عن الذات من غير قدرة منها ولا إرادة لا يسميه أحد من العقلاء فعلًا، وإن كان أثرًا من آثارها ومتولّدًا عنها، كتأثير النار في الإحراق، والماء في الإغراق، والشمس في الحرارة، فهذه آثار صادرة عن هذه الأجسام، وليست أفعالًا لها، وإن كانت بقوى وطبائع جعلها الله فيها، فالفعل والعمل من الحيّ العالم لا يقع إلا بمشيئته وقدرته.

وكون الربّ تعالى حيًّا فاعلًا مختارًا مريدًا مما اتفقت عليه الرسل والكتب، ودلّ عليه العقل والفطرة، وشهدت به الموجودات ناطقها وصامتها، جمادها وحيوانها، علويّها وسفليّها، فمن أنكر فعل الربّ الواقع بمشيئته واختياره فقد جحد ربّه وفاطره، وأنكر أن يكون للعالم ربّ.

الأصل الرابع: أنه سبحانه ربط الأسباب بمسبَّباتها شرعًا وقدرًا، وجعل الأسباب محل حكمته في أمره الديني الشرعي، وأمره الكوني القدري، ومحل ملكه وتصرفه، فإنكار الأسباب والقوى والطبائع جحد للضروريات، وقدح في العقول والفطر، ومكابرة للحس، وجحد للشرع والجزاء.

فقد جعل الله تعالى مصالح العباد في معاشهم ومعادهم، والثواب والعقاب، والحدود والكفارات، والأوامر والنواهي، والحِلّ والحرمة، كل ذلك مرتبطًا بالأسباب قائمًا بها، بل العبد نفسه وصفاته وأفعاله سبب لما يصدر عنه، بل الموجودات كلها أسباب ومسبَّبات، والشرع كله أسباب ومسبَّبات، والمقادير أسباب ومسبَّبات، والقدر جارٍ عليها، متصرف فيها، فالأسباب محل الشرع والقدر.

والقرآن مملوء من إثبات الأسباب، كقوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [لقمان: ١٥]، ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: ٣٩]، ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ

108

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي