شفاء العليل

ولو تتبعنا ما يفيد إثبات الأسباب من القرآن والسنة لزاد على عشرة آلاف موضع، ولم نقل ذلك مبالغة بل حقيقة، ويكفي شهادة الحسِّ والعقل والفِطَر.

ولهذا قال مَن قال من أهل العلم: تكلم قوم في إنكار الأسباب فأضحكوا ذوي العقول على عقولهم١. وظنوا أنهم بذلك ينصرون التوحيد، فشابهوا المعطلة الذين أنكروا صفات الربّ، ونعوت كماله، وعلوّه على خلقه، واستواءه على عرشه، وتكلّمَه بكتبه، وتكليمه لملائكته وعباده، وظنوا أنهم بذلك ينصرون التوحيد، فما أفادهم إلا تكذيب الله ورسله، وتنزيهه عن كل كمال، ووصفه بصفات المعدوم والمستحيل.

ونظير من نزَّه الله عن أفعاله، وأن يقوم به فِعْل البتّة، وظنّ أنه ينصر بذلك حدوث العالم، وكونَه مخلوقًا بعد أن لم يكن، وقد أنكر أصل الفعل والخلق جملة.

ثم من أعظم الجناية على الشرائع والنبوات والتوحيد إيهام الناس أن التوحيد لا يتم إلا بإنكار الأسباب، فإذا رأى العقلاء أنه لا يمكن إثبات توحيد الربّ إلا بإبطال الأسباب ساءت ظنونهم بالتوحيد وبمن جاء به، وأنت لا تجد كتابًا من الكتب أعظم إثباتًا للأسباب من القرآن.

ويالله العجب! إذا كان الله خالق السبب والمسبَّب، وهو الذي جعل هذا سببًا لهذا، والأسباب والمسبَّبات طوع مشيئته وقدرته، منقادة لحكمه، إن شاء أن يبطل سببية الشيء أبطلها، كما أبطل إحراق النار على خليله إبراهيم،

  1. (١) حكى شيخ الإسلام هذه الجملة عن بعض الفضلاء كما في «مجموع الفتاوى» (٨/ ١٣٧).
111

وإغراق الماء على كَلِيمه وقومِه، وإن شاء أقام لتلك الأسباب موانع تمنع تأثيرها مع بقاء قواها، وإن شاء خلّى بينها وبين اقتضائها لآثارها، فهو سبحانه يفعل هذا وهذا وهذا، فأي قدح يوجب ذلك في التوحيد، وأي شرك يترتب على ذلك بوجه من الوجوه!

ولكن ضعفاء العقول إذا سمعوا أن النار لا تُحْرِق، والماء لا يُغرِق، والخبز لا يُشبِع، والسيف لا يقطع، ولا تأثير لشيء من ذلك البتّة، ولا هو سبب لهذا الأثر، وليس فيه قوة، وإنما الخالق المختار يشاء حصول كل أثر من هذه الآثار عند ملاقاة كذا لكذا= قال١: هذا هو التوحيد، وإفراد الربّ بالخلق والتأثير، ولم يدر هذا القائل أن هذا إساءة ظن بالتوحيد، وتسليط لأعداء الرسل على ما جاؤوا به، كما تراه عيانًا في كتبهم، ينفّرون به الناس عن الإيمان، ولا ريب أن الصديق الجاهل قد يضر ما لا يضره العدو العاقل.

وقد قال تعالى عن ذي القرنين: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ [الكهف: ٨٤]، قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: «علمًا»٢.

قال قتادة وابن زيد وابن جُرَيْج والضحاك: «علمًا يتسبّب به إلى ما يريد»٣.

وكذلك قال أبو إسحاق: «علمًا يوصله إلى حيث يريد»٤.

  1. (١) كذا في «د» و«م»، وفي «ج»: «قالت»، والأشبه بالسياق: «قالوا».
  2. (٢) أخرجه الطبري (١٥/ ٣٧١).
  3. (٣) نسبه إليهم مكي في «الهداية» (٦/ ٤٤٤٩)، والواحدي في «البسيط» (١٤/ ١٣٠).
  4. (٤) «معاني القرآن» (٣/ ٣٠٨).
112

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي