عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وعرشه على الماء" رواه مسلم في "الصحيح"١.
وفيه دليل على أنّ خلق العرش سابق على خلق القلم، وهذا أصحّ القولين؛ لما روى أبو داود في "سننه"٢ عن أبي حفص الشامي قال: قال عبادة بن الصامت: يا بنيّ، إنك لن تجد طعم الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب. قال: ربِّ، وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة". يا بنيّ، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَن مات على غير هذا فليس مني".
وكتابة القلم للقدر كان في الساعة التي خُلِق فيها؛ لما رواه الإمام أحمد
(١) برقم (٢٦٥٣).
(٢) برقم (٤٧٠٠) وفي إسناده ضعف، أبو حفص وأبو حفصة الشامي - واسمه: حبيش الحبشي - تابعي مقل، أورده ابن حبان في "الثقات" (٤/ ١٩٠)، واختلف عليه في إسناده، وقد تابعه عطاء بإسناد ضعيف عند الترمذي (٢١٥٥، ٣٣١٩) وقال في الموضع الثاني منهما: "حسن صحيح غريب"، وللحديث متابعات وشواهد يصح بها، سيذكر المؤلف بعضها.
في "مسنده"١ من حديث عبادة بن الوليد، قال: حدثني أبي، قال: دخلت على عبادة وهو مريض أتخايل فيه الموت، فقلت: يا أبتاه، أوصني واجتهد لي. فقال: أجلسوني. فلما أجلسوه قال: يا بنيّ، إنك لن تجد طعم الإيمان، ولن تبلغ حق حقيقة العلم بالله ﵎؛ حتى تؤمن بالقدر خيره وشره. قلت: يا أبتاه، وكيف لي أن أعلم ما خير القدر وشره؟ قال: تعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك. يا بنيّ، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن أول ما خلق الله تعالى القلم، ثم قال: اكتبْ. فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة". يا بنيّ، إنْ مِتَّ ولستَ على ذلك دخلتَ النار.
وهذا الذي كتبه القلم هو القَدَر؛ لما رواه ابن وهب٢: أخبرني عمر بن محمد، أن سليمان بن مهران حدثه قال: قال عبادة بن الصامت: ادعوا لي ابني ــ وهو يموت ــ لعلي أخبره بما سمعت من رسول الله ﷺ، سمعت رسول الله ﷺ٣ يقول: "إن أول شيء خلقه الله من خلقه القلم، فقال له: اكتبْ. فقال: يا ربِّ، ماذا أكتب؟ قال: القدر"، قال رسول الله ﷺ: "فمن لم يؤمن بالقدر خيره وشره أحرقه الله بالنار".
وعن عبد الله بن عباس قال: كنت خلف النبي ﷺ يومًا، فقال لي: "يا
(١) برقم (٢٢٧٠٥)، والفريابي في "القدر" (٧٢)، بإسناد ليّن، فيه أيوب بن زياد روى عنه جماعة ولم يوثقه سوى ابن حبان في "الثقات" (٦/ ٥٨)، ويقويه ما قبله وما بعده من متابعات وشواهد.