في "مسنده"١ من حديث عبادة بن الوليد، قال: حدثني أبي، قال: دخلت على عبادة وهو مريض أتخايل فيه الموت، فقلت: يا أبتاه، أوصني واجتهد لي. فقال: أجلسوني. فلما أجلسوه قال: يا بنيّ، إنك لن تجد طعم الإيمان، ولن تبلغ حق حقيقة العلم بالله ﵎؛ حتى تؤمن بالقدر خيره وشره. قلت: يا أبتاه، وكيف لي أن أعلم ما خير القدر وشره؟ قال: تعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك. يا بنيّ، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن أول ما خلق الله تعالى القلم، ثم قال: اكتبْ. فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة". يا بنيّ، إنْ مِتَّ ولستَ على ذلك دخلتَ النار.
وهذا الذي كتبه القلم هو القَدَر؛ لما رواه ابن وهب٢: أخبرني عمر بن محمد، أن سليمان بن مهران حدثه قال: قال عبادة بن الصامت: ادعوا لي ابني ــ وهو يموت ــ لعلي أخبره بما سمعت من رسول الله ﷺ، سمعت رسول الله ﷺ٣ يقول: "إن أول شيء خلقه الله من خلقه القلم، فقال له: اكتبْ. فقال: يا ربِّ، ماذا أكتب؟ قال: القدر"، قال رسول الله ﷺ: "فمن لم يؤمن بالقدر خيره وشره أحرقه الله بالنار".
وعن عبد الله بن عباس قال: كنت خلف النبي ﷺ يومًا، فقال لي: "يا
(١) برقم (٢٢٧٠٥)، والفريابي في "القدر" (٧٢)، بإسناد ليّن، فيه أيوب بن زياد روى عنه جماعة ولم يوثقه سوى ابن حبان في "الثقات" (٦/ ٥٨)، ويقويه ما قبله وما بعده من متابعات وشواهد.
غلام، إني أعلمك كلمات، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألتَ فاسأل الله، وإذا استعنتَ فاستعن بالله. واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رُفِعت الأقلام، وجفّت الصحف" رواه الترمذي وقال: "حديث حسن صحيح"١.
وعن أبي هريرة قال: قلت: يا رسول الله، إني رجل شاب، وأنا أخاف على نفسي العَنَت، ولا أجد ما أتزوج به النساء. فسكت عني، ثم قلت مثل ذلك، فسكت عني، ثم قلت مثل ذلك٢ فقال النبي ﷺ: "يا أبا هريرة، جفَّ القلم بما أنت لاق، فاخْتَصِ على ذلك أو ذَرْ" رواه البخاري في "صحيحه"٣، فقال: ثنا٤ أصبغ: ثنا ابن وهب، عن يونس، عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة.
ورواه ابن وهب في "كتاب القَدَر"٥ وقال فيه: فأْذَنْ لي أن أختصي. فقال: قال٦: فسكت عني حتى قلت ذلك ثلاث مرات، فقال: "جفَّ القلم
(١) برقم (٢٥١٦)، وأحمد (٢٦٦٩) من طرق عن قيس بن الحجاج، عن حنش، عن ابن عباس، قال ابن منده في "التوحيد" (٢/ ١٠٧): "هذا إسناد مشهور، رواه ثقات، وقيس بن الحجاج مصري روى عنه جماعة، ولهذا الحديث طرق عن ابن عباس، وهذا أصحها"، وانظر: "جامع العلوم والحكم" (١/ ٤٦٠).
(٢) من قوله: "فسكت عني" - الثانية - إلى هنا ساقط من "م"، انتقال نظر.
(٣) برقم (٥٠٧٦) معلّقًا، ووصله الفريابي في "القدر" (٤٣٧).
(٤) كذا في "د" "م": "ثنا" خطأ، صوابه: "قال"؛ فإنه معلّق في "الصحيح".
(٥) برقم (١٦)، ومن طريقه أبو عوانة (٤٠٠٧) بإسناد صحيح.
(٦) كذا في "د" "م": "فقال: قال"، صوابه بالفعل الثاني فقط، كما في مصدر الرواية.