شفاء العليل

والعطاء موقع١ الإعطاء.

وأما قوله تعالى: ﴿يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الروم: ٢٤]، فيحتمل أن يكون من ذلك، أي: إخافةً لكم وإطماعًا، وهو أحسن.

ويحتمل أن يكون معمولَ فعلٍ محذوف٢، أي: فيرونهما٣ خوفًا وطمعًا، فيكونان حالًا.

وقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ٤ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا﴾ [ق: ٦] إلى قوله: ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ [ق: ٨] أي لأجل التبصرة والذكرى، والفرق بينهما: أن التبصرة توجب العلم والمعرفة، والذكرى توجب الإنابة والانقياد، وبهما تتم الهداية.

فصل

النوع الخامس: الإتيان بأنْ والفعلِ المستقبل بعدها تعليلًا لما قبله، كقوله: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [الأنعام: ١٥٦]، وقوله: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا﴾ [الزمر: ٥٦]، وقوله: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذْكِرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢] ونظائره.

وفي ذلك طريقان٥:

  1. (١) «د»: «موضع».
  2. (٢) «م»: «مفعول فعل محذوف».
  3. (٣) كذا في الأصول، والأشبه بالسياق: «فيرونه» أي البرق.
  4. (٤) في جميع الأصول: «أولم».
  5. (٥) انظر: «البحر المحيط» (٤/ ٦٩٥ - ٦٩٦).
128

أحدهما للكوفيين: والمعنى: لئلا تقولوا، ولئلا تقول نفس.

والثاني للبصريين: أن المفعول له محذوف، أي: كراهةَ أن تقولوا، أو حِذارَ أن تقولوا.

فإن قيل: فكيف يستقيم الطريقان في قوله: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾، فإنك إن قدَّرتَ: «لئلا تضل إحداهما» لم يستقم العطف «فتذكر إحداهما» عليه، وإن قدَّرتَ: «حِذارَ أن تضل إحداهما» لم يستقم العطف١ أيضًا، وإن قدَّرتَ: «إرادةَ أن تضل» لم تصح أيضًا؟

قيل: هذا من الكلام الذي ظهور معناه مزيل للإشكال، فإن المقصود إذكار٢ إحداهما للأخرى إذا ضلت ونسيت، فلما كان الضلال سببًا للإذكار جُعِل موضع العلة، كما تقول: أعددتُ هذه الخشبة أن يميل الحائط فأدعمه بها، فإنما أعددتَها للدعم لا للميل، وأعددتُ هذا الدواء أن أمرض فأتداوى به، ونحوه.

هذا قول سيبويه والبصريين.

وقال أهل الكوفة: تقديره: كي تذكر إحداهما الأخرى إن ضلت، فلما تقدم الجزاء اتصل بما قبله ففتحت «أن».

قال الفراء: «ومثله قولك: إنه ليعجبني أن يَسأل السائلُ فيُعطى، معناه: ليعجبني أن يُعطى السائلُ إن سأل؛ لأنه إنما يعجبه الإعطاءُ لا السؤال»٣.

  1. (١) من قوله: «فتذكر إحداهما» إلى هنا ساقط من «د».
  2. (٢) فوقها في «د»: «تذكير».
  3. (٣) «معاني القرآن» (١/ ١٨٤) بتصرف.
129

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي