شفاء العليل

أحدهما للكوفيين: والمعنى: لئلا تقولوا، ولئلا تقول نفس.

والثاني للبصريين: أن المفعول له محذوف، أي: كراهةَ أن تقولوا، أو حِذارَ أن تقولوا.

فإن قيل: فكيف يستقيم الطريقان في قوله: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾، فإنك إن قدَّرتَ: «لئلا تضل إحداهما» لم يستقم العطف «فتذكر إحداهما» عليه، وإن قدَّرتَ: «حِذارَ أن تضل إحداهما» لم يستقم العطف١ أيضًا، وإن قدَّرتَ: «إرادةَ أن تضل» لم تصح أيضًا؟

قيل: هذا من الكلام الذي ظهور معناه مزيل للإشكال، فإن المقصود إذكار٢ إحداهما للأخرى إذا ضلت ونسيت، فلما كان الضلال سببًا للإذكار جُعِل موضع العلة، كما تقول: أعددتُ هذه الخشبة أن يميل الحائط فأدعمه بها، فإنما أعددتَها للدعم لا للميل، وأعددتُ هذا الدواء أن أمرض فأتداوى به، ونحوه.

هذا قول سيبويه والبصريين.

وقال أهل الكوفة: تقديره: كي تذكر إحداهما الأخرى إن ضلت، فلما تقدم الجزاء اتصل بما قبله ففتحت «أن».

قال الفراء: «ومثله قولك: إنه ليعجبني أن يَسأل السائلُ فيُعطى، معناه: ليعجبني أن يُعطى السائلُ إن سأل؛ لأنه إنما يعجبه الإعطاءُ لا السؤال»٣.

  1. (١) من قوله: «فتذكر إحداهما» إلى هنا ساقط من «د».
  2. (٢) فوقها في «د»: «تذكير».
  3. (٣) «معاني القرآن» (١/ ١٨٤) بتصرف.
129

ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا يَقُولُوا تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ١٧٢ يَقُولُوا تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢ - ١٧٣]، فذكَر سبحانه من حِكَم أخذ الميثاق عليهم أن لا يحتجوا يوم القيامة بغفلتهم عن هذا الأمر، ولا بتقليد الأسلاف.

ومنه قوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الأنعام: ٧٠]، فالضمير في «به» للقرآن و«أن تُبْسَل» في محلّ نصب على أنه مفعول له، أي: حِذارَ أن تسلم نفس إلى الهلكة والعذاب، وترتهن بسوء عملها.

فصل

النوع السادس: ذِكْر ما هو من صرائح التعليل، وهو: «من أجل»، كقوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢].

وقد ظنت طائفة أن قوله: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ﴾ تعليل لقوله: ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ﴾ [المائدة: ٣١]، أي: من أجل قتله لأخيه، وهذا ليس بشيء؛ لأنه يشوّش صحةَ النظم، وتقلُّ الفائدةُ بذكره، ويذهبُ شأنُ التعليل بذلك للكتابة١ المذكورة، وتعظيم شأن القتل، حين٢ جُعل علة لهذه الكتابة،

  1. (١) «د» «م»: «الكتابة»، والمثبت من «ج» أقرب للمعنى.
  2. (٢) «د» «م»: «حتى»، والمثبت من «ج»، والفقرة قلقة، وفي «البسيط» (٧/ ٣٤٧) عن ابن الأنباري: «مَنْ جعله مِنْ صلة الندم أسقط العلة للكتابة، ومَنْ جعله مِنْ صلة الكتابة لا يسقط معنى الندم؛ إذ قد تقدم ما كشف سببه، فكان هذا أولى»، وهو بنحوه في «الإيضاح» لابن الأنباري (٢/ ٦١٧ - ٦١٨).
130

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي