وأمرًا لا رحمة فيه ولا مصلحة ولا حكمة، بل يجوز عندهم ــ أو يقع ــ أن يأمر بما لا مصلحة للمكلف فيه البتَّة، وينهى عما فيه مصلحته، والجميع بالنسبة إليه سواء.
ويجوز عندهم أن يأمر بكل ما نهى عنه، وينهى عن جميع ما أمر به، ولا فرق بين هذا وهذا إلا بمجرد الأمر والنهي.
ويجوز عندهم أن يعذب مَن لم يعصه طرفة عين، بل أفنى عمره في طاعته وشكره وذكره، ويُنعِّم مَن لم يطعه طرفة عين، بل أفنى عمره في الكفر به والشرك والظلم والفجور، ولا سبيل إلى أن يُعرف خلاف ذلك منه إلا بخبر الرسول، وإلا فهو جائز عليه.
وهذا من أقبح الظن وأسوئه بالربّ تعالى، وتنزيهه عنه كتنزيهه عن الظلم والجور، بل هذا هو عين الظلم الذي يتعالى الله عنه.
والعجب العجاب أنّ كثيرًا من أرباب هذا المذهب يُنزِّهونه عما وصف به نفسه من صفات الكمال، ونعوت الجلال، ويزعمون أن إثباتها تجسيم وتشبيه، ولا يُنزِّهونه عن هذا الظلم والجور، ويزعمون أنه عدل وحق، وأن التوحيد عندهم لا يتم إلا به، كما لا يتم إلا بإنكار استوائه على عرشه، وعلوّه فوق سماواته، وتكلّمه وتكليمه، وصفات كماله، فلا يتم التوحيد عند هذه الطائفة إلا بهذا النفي وذلك الإثبات، والله ولي التوفيق.
فصل
النوع الثاني عشر: إنكاره سبحانه أن يُسوِّيَ بين المختلفَيْن، أو يُفرِّقَ بين المتماثلَيْن، وأن حكمته وعدله تأبى ذلك.
أما الأول: فكقوله: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ ٣٥ مَا لَكُمْ كَيْفَ﴾[القلم: ٣٥ - ٣٦]، فأخبر أن هذا حكم باطل جائر يستحيل نسبته إليه، كما يستحيل نسبة الفقر والحاجة والظلم إليه، ومنكرو الحكمة والتعليل يجوِّزون نسبة ذلك إليه، بل يقولون بوقوعه.
وقال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾[ص: ٢٨]، وقال: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءٌ مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾[الجاثية: ٢١]، فجعل سبحانه ذلك حُكْمًا سيّئًا يتعالى ويتقدس عن أن يجوز عليه، فضلًا أن يُنسب إليه.
بل أبلغ من هذا أنه أنكر على من حسب أن يدخل الجنة بغير امتحان له وتكليف يتبين به صبره وشكره، وأن حكمته١ تأبى ذلك، كما قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾[آل عمران: ١٤٢]، وقال: ﴿ا آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ٢١٤ يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ﴾[البقرة: ٢١٤]، وقال: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً﴾[التوبة: ١٦]، فأنكر عليهم هذا الظن والحسبان لمخالفته لحكمته.
وأما الثاني: وهو أنه لا يفرق بين المتماثلَيْن، فكقوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ