شفاء العليل

ليتم نعمته عليهم.

ومعلوم أن المُنعِم المُحسِن لا يكون كذلك، ولا يستحق هذا الاسم حتى يقصد الإنعام على غيره والإحسان إليه، فلو لم يفعل سبحانه لغرض الإنعام والإحسان لم يكن مُنعِمًا في الحقيقة ولا مُحسِنًا؛ إذ يستحيل أن يكون كذلك من لم يقصد الإنعام والإحسان، وهذا غني عن التقرير.

يوضحه أنه سبحانه حيث ذَكَر إنعامه وإحسانه فإنما يذكره مقرونًا بالحِكَم والمصالح والمنافع التي خَلَق الخلق وشَرَع الشرائع لأجلها، كقوله في آخر سورة النِّعَم١: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ﴾ [النحل: ٨١]، فهذا في الخلق.

وقال في الشرع في أمره باستقبال الكعبة: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠].

وقال في أمره بالوضوء والتيمم: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦]، فجعل تمام نعمته في أنْ خَلَقَ ما خلق للإحسان، وأَمَرَ بما أمر لذلك.

  1. (١) في حاشية «م»: «أي النحل».
151

فصل

النوع التاسع عشر: اتصافه بالرحمة، وأنه أرحم الراحمين، وأن رحمته وسعت كل شيء، وذلك لا يتحقق إلا بأن يقصد رحمة خلقه بما خلقه لهم، وبما أمرهم به، فلو لم تكن أوامره لأجل الرحمة والحكمة والمصلحة وإرادة الإحسان إليهم لما كانت رحمة، ولما كان رسوله رحمة للعالمين، فلو خلت أحكامه عن الحِكَم والمصالح لما كانت رحمة١، ولو حصلت بها الرحمة لكانت اتفاقية لا مقصودة، وذلك لا يوجِب أن يكون الآمر سبحانه أرحم الراحمين، فتعطيل حكمته والغاية المقصودة التي لأجلها يفعل إنكارٌ لرحمته في الحقيقة، وتعطيل لها.

وكان شيخ هذا المذهب جهم بن صفوان يقف على الجَذْمى٢، ويشاهد ما هم فيه من البلاء، ويقول: أرحم الراحمين يفعل مثل هذا!٣.

يعني: أنه ليس ثَمّ رحمة في الحقيقة، وإنما الأمر راجع إلى محض المشيئة الخالية عن الحكمة والرحمة، فلا حكمة عنده ولا رحمة؛ فإن الرحمة لا تُعقل إلا مِن فِعْل مَن يفعل الشيء لرحمة غيره ونفعه والإحسان إليه، فإذا لم يفعل لغرض ولا غاية ولا حكمة لم يفعل لرحمة ولا لإحسان.

  1. (١) من قوله: «ولما كان رسوله» إلى هنا ساقط من «د».
  2. (٢) جمع أَجْذَم، وهو مَنْ تهافتت أطرافه من مرض الجُذَام، «تاج العروس» (٣١/ ٣٨٣).
  3. (٣) حكاه شيخ الإسلام في عدة مواضع من كتبه، منها: «النبوات» (٢/ ٩١٥)، «منهاج السنة» (٣/ ٣٢)، وكذا تكرّرت عند المصنف كما تراه في «إغاثة اللهفان» (٢/ ٩٢٠) وغيره.
152

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي