شفاء العليل

وعكس للفِطَر١، ومناقضة لقضايا العقول؛ فإن مَنْ يفعل لحكمة وغاية مطلوبة يُحمد عليها أكمل ممن يفعل لا لشيء البتّة، كما أن مَنْ يخلق أكمل ممن لا يخلق، ومَنْ يعلم أكمل ممن لا يعلم، ومَنْ يتكلم أكمل ممن لا يتكلم، ومَنْ يقدر ويريد أكمل ممن لا قدرة له ولا إرادة، ومَنْ يسمع ويبصر، ويرضى ويغضب، ويحب ويبغض؛ أكمل ممن لا يتصف بذلك، وهذا مركوز في الفِطَر، مستقر في العقول، فنفي حكمته بمنزلة نفي هذه الأوصاف عنه، وذلك يستلزم وصفه بأضدادها، وهي أنقص النقائص.

ولهذا صرّح كثيرٌ من النفاة كالجويني والرازي بأنه لم يقم على نفي النقائص عن الله دليل عقلي، وإنما مستند النفي السمع والإجماع٢.

وحينئذ فيقال لهؤلاء: إن لم يكن في إثبات الحكمة نقص لم يجز نفيها، وإن كانت نقصًا فأين في السمع أو في الإجماع نفي هذا النقص؟

وجمهور الأمة يثبت حكمته سبحانه والغايات المحمودة في أفعاله إجمالًا، فليس مع النفاة سمع ولا عقل ولا إجماع، بل السمع والعقل والإجماع والفطرة تشهد ببطلان قولهم، والله الموفق للصواب.

وجماع ذلك أن كمال الربّ تعالى وجلاله وحكمته وعلمه ورحمته وقدرته وإحسانه وحمده ومجده وحقائق أسمائه الحسنى= تمنع كون أفعاله صادرة منه لا لحكمة، ولا لغاية مطلوبة، وجميع أسمائه الحسنى تنفي ذلك، وتشهد ببطلانه، وإنما نبّهنا على بعض طرق القرآن، وإلا فالأدلة التي

  1. (١) «م»: «الفطر».
  2. (٢) انظر: «الشامل» (٧٤)، «الأربعين» (١/ ٢٤٢).
157

تضمنها على إثبات ذلك أضعاف أضعاف ما ذكرنا، وبالله التوفيق.

فصل

وكيف يتوهم ذو فطرة صحيحة خلاف ذلك، وهذا الوجود شاهد بحكمته وعنايته بخلقه أتم عناية، وما في مخلوقاته من الحِكَم والمصالح والمنافع والغايات المطلوبة والعواقب الحميدة أعظم من أن يحيط به وصف، أو يحصره عقل.

ويكفي الإنسانَ فكرُه في نفسه وخلقه وأعضائه ومنافعها وقواه وصفاته وهيئاته، فإنه لو استنفد عمره لم يحط علمًا بجميع ما تضمنه خلقه من الحِكَم والمنافع على التفصيل، والعالم كله علويّه وسفليّه بهذه المثابة.

ولكن لشدّة ظهور الحكمة ووضوحها وجَدَ الجاحد السبيل إلى إنكارها، وهذا شأن النفوس الجاهلة الظالمة، كما أنكرتْ وجود الصانع تعالى مع فرط ظهور آياته ودلائل ربوبيته، بحيث استوعبت كل موجود، ومع هذا فسمحت بالمكابرة في إنكاره!

وهكذا أدلة علوّه سبحانه فوق مخلوقاته مع شدة ظهورها وكثرتها، سمحت نفوس الجهمية بإنكارها!

وهكذا شواهد صدق أنبيائه ورسله، ولاسيما خاتمهم صلوات الله وسلامه عليه، فإن أدلة صدقه في الوضوح للعقول كالشمس في دلالتها على النهار، ومع هذا فلم يأنف الجاحدون والمكابرون من الإنكار!

وهكذا أدلة ثبوت صفات الكمال لمعطي الكمال، هي من أظهر الأشياء وأوضحها، وقد أنكرها مَن أنكرها!

158

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي