شفاء العليل

تضمنها على إثبات ذلك أضعاف أضعاف ما ذكرنا، وبالله التوفيق.

فصل

وكيف يتوهم ذو فطرة صحيحة خلاف ذلك، وهذا الوجود شاهد بحكمته وعنايته بخلقه أتم عناية، وما في مخلوقاته من الحِكَم والمصالح والمنافع والغايات المطلوبة والعواقب الحميدة أعظم من أن يحيط به وصف، أو يحصره عقل.

ويكفي الإنسانَ فكرُه في نفسه وخلقه وأعضائه ومنافعها وقواه وصفاته وهيئاته، فإنه لو استنفد عمره لم يحط علمًا بجميع ما تضمنه خلقه من الحِكَم والمنافع على التفصيل، والعالم كله علويّه وسفليّه بهذه المثابة.

ولكن لشدّة ظهور الحكمة ووضوحها وجَدَ الجاحد السبيل إلى إنكارها، وهذا شأن النفوس الجاهلة الظالمة، كما أنكرتْ وجود الصانع تعالى مع فرط ظهور آياته ودلائل ربوبيته، بحيث استوعبت كل موجود، ومع هذا فسمحت بالمكابرة في إنكاره!

وهكذا أدلة علوّه سبحانه فوق مخلوقاته مع شدة ظهورها وكثرتها، سمحت نفوس الجهمية بإنكارها!

وهكذا شواهد صدق أنبيائه ورسله، ولاسيما خاتمهم صلوات الله وسلامه عليه، فإن أدلة صدقه في الوضوح للعقول كالشمس في دلالتها على النهار، ومع هذا فلم يأنف الجاحدون والمكابرون من الإنكار!

وهكذا أدلة ثبوت صفات الكمال لمعطي الكمال، هي من أظهر الأشياء وأوضحها، وقد أنكرها مَن أنكرها!

158

ولا يُستنكر هذا؛ فإنك تجد الرجل منغمِسًا في النّعم، وقد أحاطت به من كل جانب وهو يشتكي حاله، ويتسخَّط مما هو فيه، وربما أنكر النعمة، فَضَلَال النفوس وغيّها لا حدّ له ينتهي إليه، ولاسيما النفوس الجاهلة الظالمة.

ومن أعجب العجب أن تسمح نفس بإنكار الحِكَم والعلل الغائية والمصالح التي تضمّنتها هذه الشريعة الكاملة، التي هي من أدل الدلائل على صِدْق مَن جاء بها، وأنه رسول الله حقًا، ولو لم يأت بمعجزة سواها لكانت كافية شافية، فإن ما تضمّنته من الحِكَم والمصالح والغايات الحميدة، والعواقب السديدة، شاهدة بأن الذي شرعها وأنزلها أحكم الحاكمين، وأرحم الراحمين، وشهود ذلك في تضاعيفها ومضمونها كشهود الحِكَم والمصالح والمنافع في المخلوقات العلويّة والسفليّة، وما بينهما من الحيوان والنبات والعناصر والآثار التي بها انتظام مصالح المعاش.

فكيف يرضى أحدٌ لنفسه إنكارَ ذلك وجحْدَه؟!

وإن تَجمّل واستحيا من العقلاء قال: ذلك أمر اتفاقي غير مقصود بالخلق والأمر!

وسبحان الله! كيف يستجيز أحدٌ أن يظنّ بربِّ العالمين وأحكم الحاكمين أنه يعذّب كثيرًا من خلقه بأشدّ العذاب الأبدي لغير غاية ولا حكمة ولا بسبب، وإنما هو محض مشيئة مجرّدة عن الحكمة والسبب، فلا سبب هناك ولا حكمة ولا غاية، وهل هذا إلا من أسوأ الظن بالربّ تعالى؟!

وكيف يستجيز أن يظنّ بربّه أنه أمَر ونهى، وأباح وحرّم، وأحبّ وكره، وشرع الشرائع، وأمر بالحدود لا لحكمة ولا لمصلحة يقصدها، بل ما ثَمّ إلا

159

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي