المختار يعيدها كل وقت، وإن ملوحة ماء البحر كل لحظة تعدم وتذهب، ويعيدها القادر المختار، كل ذلك بلا سبب ولا حكمة ولا علّة غائية.
ورأوا أنهم لا يمكنهم التخلص من قول الفلاسفة أعداء الرسل إلا بذلك، ورأى أعداء الرسل أنهم لا يمكنهم الدخول في الشريعة إلا بالتزام أصول هؤلاء.
ولم تهتدِ الطائفتان للحق الذي لا يجوز غيره، وهو أنه سبحانه يفعل بمشيئته وقدرته وإرادته، ويفعل ما يفعله بأسباب وحِكَم وغايات محمودة، وقد أودع العالم من القُوى والطبائع والغرائز والأسباب والمسبّبات ما به قام الخلق والأمر.
وهذا قول جمهور أهل الإسلام وأكثر طوائف النظار، وهو قول الفقهاء قاطبة، إلا من خلّى الفقه ناحية وتكلم بأصول النفاة، فعادى فقهُهُ أصولَ دينِه١.
(١) الضبط من «د» و«م».
الباب الثالث والعشرون
في استيفاء شُبَه النافين للحكمة والتعليل، وذِكْر الأجوبة عنها
قالت النفاة: قد أجلبتم علينا بما استطعتم من خيل الأدلة ورَجِلها، فاسمعوا الآن ما يبطله، ثم أجيبوا عنه إن أمكنكم الجواب، فنقول ما قاله ــ أفضل متأخريهم ــ محمد بن عمر الرازي: كل مَن فعل فعلًا لأجل تحصيل مصلحة أو لدفع مفسدة، فإن كان تحصيل تلك المصلحة أولى من عدم تحصيلها كان ذلك الفاعل قد استفاد بذلك الفعل تحصيل ذلك، ومَن كان كذلك كان ناقصًا بذاته مستكملًا بغيره، وهو في حق الله محال، وإن كان تحصيلها وعدمه بالنسبة إليه سواء، فمع ذلك لا يحصل الرجحان، فامتنع تحصيلها.
ثم أورد سؤالًا وهو: لا يقال: حصولها واللاحصولها بالنسبة إليه، وإن كان على التساوي، إلا أن حصولها للعبد أولى من عدم حصولها له، فلأجل هذه الأولوية العائدة إلى العبد يرجّح الله سبحانه الوجود على العدم.
ثم أجاب بأنا نقول: تحصيل تلك المصلحة وعدم تحصيلها له إما أن يكونا متساويين بالنسبة إلى الله أو لا يستويان، وحينئذ يعود التقسيم المذكور١.