شفاء العليل

الباب الثالث والعشرون

في استيفاء شُبَه النافين للحكمة والتعليل، وذِكْر الأجوبة عنها

قالت النفاة: قد أجلبتم علينا بما استطعتم من خيل الأدلة ورَجِلها، فاسمعوا الآن ما يبطله، ثم أجيبوا عنه إن أمكنكم الجواب، فنقول ما قاله ــ أفضل متأخريهم ــ محمد بن عمر الرازي: كل مَن فعل فعلًا لأجل تحصيل مصلحة أو لدفع مفسدة، فإن كان تحصيل تلك المصلحة أولى من عدم تحصيلها كان ذلك الفاعل قد استفاد بذلك الفعل تحصيل ذلك، ومَن كان كذلك كان ناقصًا بذاته مستكملًا بغيره، وهو في حق الله محال، وإن كان تحصيلها وعدمه بالنسبة إليه سواء، فمع ذلك لا يحصل الرجحان، فامتنع تحصيلها.

ثم أورد سؤالًا وهو: لا يقال: حصولها واللاحصولها بالنسبة إليه، وإن كان على التساوي، إلا أن حصولها للعبد أولى من عدم حصولها له، فلأجل هذه الأولوية العائدة إلى العبد يرجّح الله سبحانه الوجود على العدم.

ثم أجاب بأنا نقول: تحصيل تلك المصلحة وعدم تحصيلها له إما أن يكونا متساويين بالنسبة إلى الله أو لا يستويان، وحينئذ يعود التقسيم المذكور١.

قال المثبتون: الجواب عن هذه الشبهة من وجوه:

  1. (١) «الأربعين» (١/ ٣٥٠).
163

أحدها: أن قولك: «إنّ كل مَن فعل لغرض يكون ناقصًا بذاته مستكملًا بغيره»، ما تعني بقولك: إنه يكون ناقصًا بذاته؟

أتعني به: أن يكون عادمًا لشيء من الكمال الذي كان يجب أن يكون له قبل حدوث ذلك المراد؟ أم تعني به: أن يكون عادمًا لما ليس كمالًا قبل وجوده؟ أم تعني به معنى ثالثًا؟

فإن عنيت الأول فالدعوى باطلة؛ فإنه لا يلزم مِن فعْله لغرضٍ حصولُه أولى من عدمه أن يكون عادمًا لشيء من الكمال الواجب قبل حدوث المراد، فإنه يمتنع أن يكون كمالًا قبل حصوله.

وإن عنيت الثاني لم يكن عدمه نقصًا؛ فإن الغرض أنه ليس كمالًا قبل وجوده، وما ليس بكمال في وقت لا يكون عدمه نقصًا فيه، فما كان قبل وجوده عدمه أولى من وجوده، وبعد وجوده وجوده أولى من عدمه= لم يكن عدمه قبل وجوده نقصًا، ولا وجوده بعد عدمه نقصًا، بل الكمال عدمه قبل وقت وجوده، ووجوده وقت وجوده.

وإذا كان كذلك فالحِكَم المطلوبة والغايات من هذا النوع، وجودها وقت وجودها هو الكمال، وعدمها حينئذ نقص، وعدمها وقت عدمها كمال، ووجودها حينئذ نقص. وعلى هذا فالنافي هو الذي نسب النقص إلى الله لا المُثْبِت.

وإن عنيت به أمرًا ثالثًا فلا بدّ من بيانه حتى ننظر فيه.

الجواب الثاني: أن قولك: «يلزم أن يكون ناقصًا بذاته مستكملًا بغيره»، أتعني به: أن الحكمة التي يجب وجودها إنما حصلت له من شيء خارج

164

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي