شفاء العليل

لأفعال الله، فإذا سَمّيتَ أنت ذلك نقصًا لم تكن هذه التسمية موجِبة لانعقاد الإجماع على نفيها.

فإن قلت: أهل الإجماع أجمعوا على نفي النقص، وهذا نقص؟

قيل: نعم، الأمة مجمعة على ذلك، ولكن الشأن في أن هذا الوصف المعيّن نقصٌ، فتكون قد أجمعت على نفيه، فهذا أول المسألة.

والقائلون بإثباته ليس هو عندهم نقصًا، بل هو عين الكمال، ونفيه عين النقص.

وحينئذ فنقول في الجواب الخامس: إن إثبات الحكمة كمال ــ كما تقدم تقريره ــ ونفيه نقص، والأمة مجمعة على انتفاء النقص عن الله، بل العلم بانتفاء النقص عنه تعالى من أجلى العلوم١ الضرورية المستقرة في فِطَر الخلق، فلو كانت أفعاله معطَّلة عن الحِكَم والغايات المحمودة لزم النقص، وهو محال، ولزوم النقص من انتفاء الحِكَم أظهر في العقول والفِطَر والعلوم الضرورية والنظرية من لزوم النقص من إثبات ذلك.

وحينئذ فنقول في الجواب السادس: النقص إما أن يكون جائزًا أو ممتنعًا، فإن كان جائزًا بطل دليلك، وإن كان ممتنعًا بطل دليلك أيضًا، فبطل الدليل على التقديرين.

الجواب السابع: أن النقص منتفٍ عن الله ﷿ عقلًا كما هو منتفٍ عنه سمعًا، والعقل يوجب اتصافه بصفات الكمال، والنقص هو ما يضاد صفات الكمال، فالعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام والحياة

  1. (١) «د»: «أعلا العلوم».
166

صفات كمال وأضدادها نقص، فوجب تنزيهه عنها لمنافاتها لكماله، وأما حصول ما يحبّه الرب تعالى في الوقت الذي يحبّه، فإنما يكون كمالًا إذا حصل على الوجه الذي يحبّه، فعدمه قبل ذلك ليس نقصًا؛ إذ كان لا يحب وجوده قبل ذلك.

الجواب الثامن: أن يقال: الكمال الذي يستحقه ﷾ هو الكمال الممكن أو الممتنع؟ فالأول مُسَلّم، والثاني باطل قطعًا، فلِمَ قلت: إن وجود الحادث في غير وقته الذي وُجِد فيه ممكن؟ بل وجود الحادث في الأزل ممتنع، فعدمه لا يكون نقصًا.

الجواب التاسع: أن عدم الممتنع لا يكون كمالًا؛ فإن الممتنع ليس بشيء في الخارج، وما ليس بشيء لا يكون عدمه نقصًا؛ فإنه إن كان في المقدور ما لا يحدث إلا شيئًا بعد شيء كان وجوده في الأزل ممتنعًا، فلا يكون عدمه نقصًا، وإنما يكون الكمال وجوده حين يمكن وجوده.

الجواب العاشر: أن يقال: لا ريب أنه تعالى أحدث أشياء بعد أن لم يكن محدِثًا لها، كالحوادث المشهودة، حتى إن القائلين بكون الفَلَك قديمًا عن علّة موجِبة يقرّون بذلك، ويقولون: إنه يُحدِث الحوادث بواسطة، وحينئذ فنقول: هذا الإحداث إما أن يكون صفة كمال، وإما أن لا يكون؟ فإن كان صفة كمال فقد كان فاقدًا لها قبل ذلك، وإن لم يكن صفة كمال فقد اتصف بالنقص.

فإن قلت: نحن نقول: بأنه ليس صفة كمال ولا نقص.

قيل: فهلّا قلتم ذلك في التعليل؟

167

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي