شفاء العليل

فمواضع التخصيص١ ومواقع٢ الفضل هي التي يقدح بها نفاة الحكمة فيها، وهي من أدل شيء على كمال حكمته سبحانه، ووَضْعه للفضل مواضعه، وجَعْله عند أهله الذين هم أحق به، وأولى من غيرهم، وهو الذي جعلهم كذلك بحكمته وعلمه وعزته وملكه، فتبارك الله رب العالمين وأحكم الحاكمين.

ولا يجب بل لا يمكن المشاركة في حكمته، بل ما حصل للخلائق كلهم من العلم بها كنقرة عصفور من البحر المحيط، وأي نقص في دوام حكمته شيئًا بعد شيء، كما تدوم إرادته وكلامه وأفعاله وإحسانه وجوده وإنعامه، وهل الكمال إلا في هذا التسلسل، فماذا نَفَّرَ النفاة منه! أنفَّرَهم أن يقال: لَمْ يزل ولا يزال حيًّا، عليمًا، قديرًا، حكيمًا، متكلمًا، محسنًا، جوادًا، ملكًا، موصوفًا بكل كمال، غنيًا عن كلّ ما سواه، لا تنفد كلماته، ولا تتناهى حكمته، ولا تعجز قدرته، ولا يبيد ملكه، ولا تنقطع إرادته ومشيئته، بل لم يزل ولا يزال له الخلق والأمر، والحكمة والحكم، وهل النقص إلا سلب ذلك عنه، والله الموفق بفضله وإعانته.

الجواب السادس: أن الرب ﵎ إذا خلق شيئًا فلا بُدَّ من وجود لوازمه، ولا بدَّ من عدم أضداده، فوجود الملزوم بدون لازمه محال، ووجود الضد مع ضده ممتنع، والمحال الممتنع ليس بشيء، ولا يتصور العقل وجوده في الخارج، وإذا كان هذا التسلسل الجائز من لوازم خلقه وحكمته لم يكن في القول به محذور، بل كان المحذور في نفيه.

  1. (١) «د» «م»: «التحصيل» تحريف، والمثبت أشبه بالسياق والمعنى.
  2. (٢) «م»: «وموانع» تحريف.
179

توضيحه الجواب السابع: أنه لم يقم دليل عقلي ولا سمعي على امتناع دوام أفعال الرب في الماضي والمستقبل أصلًا، وكل أدلة النفاة من أولها إلى آخرها باطلة، وقد كفى مؤنة إبطالها الرازي والآمدي في أكثر كتبهما وغيرهما.

وأما إثبات الحكمة فقد قام على صحته العقل والسمع والفطرة وسائر أنواع الأدلة كما تقدمت الإشارة إلى بعض ذلك، فكيف يُقدح في هذا المعلوم الصحيح بذلك النفي الذي لم يقم على صحته دليل صحيح البتَّة!

الجواب الثامن: أن التسلسل إما أن يكون ممكنًا أو ممتنعًا، فإن كان ممكنًا بطل استدلالكم، وإن كان ممتنعًا أمكن أن يقال في دفعه: تنتهي المرادات إلى مراد لنفسه لا لغيره، وينقطع التسلسل.

الجواب التاسع: أن يقال: ما المانع أن تكون الفاعلية مُعلَّلة بعلة قديمة؟ قولكم: يلزم من قدمها قدم المعلول؛ ينتقض عليكم بالإرادة فإنها قديمة، ولم يلزم من قدمها قدم المراد.

فإن قلتم: الإرادة القديمة تعلقت بالمراد الحادث في وقت حدوثه، واقتضت وجوده حينئذ؛ فهلا قلتم: إن الحكمة القديمة تعلقت بالمراد وقت حدوثه، كما قلتم في الإرادة.

فإن قلتم: شأن الإرادة التخصيص، قيل لكم: وكذلك الحكمة شأنها تخصيص الشيء بزمانه ومكانه وصفته، فالتخصيص مصدره الحكمة والإرادة والعلم والقدرة، فإن لزم من قدم الحكمة قدم الفعل، لزم من قدم الإرادة قدمه، وإن لم يلزم ذاك لم يلزم هذا.

180

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي