شفاء العليل

الجواب العاشر: أن يقال: لو لم يكن فعله لحكمة وغاية مطلوبة لم يكن مريدًا؛ فإن المريد لا يُعقَل كونه مريدًا إلا إذا كان يريد لغرض وحكمة، فإذا انتفت الحكمة والغرض انتفت الإرادة، ويلزم من انتفاء الإرادة أن يكون موجِبًا بالذات، وهو علة تامة في الأزل لمعلوله، فيلزم أن يقارنه جميع معلوله ولا يتأخر، فيلزم من ذلك قدم الحوادث المشهودة، وإنما لزم ذلك من انتفاء الحكمة والغرض المستلزم لنفي الإرادة، المستلزم للإيجاب الذاتي، المستلزم لقدم الحوادث، وتقرير هذا وبسطه في غير هذا الموضع.

فصل

قال نفاة الحكمة: جميع الأغراض يرجع حاصلها إلى شيئين: تحصيل اللذة والسرور، ودفع الألم والحزن والغم، والله سبحانه قادر على تحصيل هذين المطلوبين ابتداءً من غير شيء من الوسائط، ومَن كان قادرًا على تحصيل المطلوب ابتداءً بغير واسطة كان توسُّله إلى تحصيله بالوسائط عبثًا، وهو على الله محال.

قال أصحاب الحكمة: عن هذه الشبهة أجوبة:

الجواب الأول: أن يقال: لا ريب أن الله على كل شيء قدير، لكن لا يلزم إذا كان الشيء مقدورًا ممكنًا أن تكون الحكمة المطلوبة بوجوده يمكن تحصيلها مع عدمه؛ فالموقوف على الشيء يمتنع حصوله بدونه، كما يمتنع حصول الابن بكونه ابنًا بدون الأب، فإن وجود الملزوم بدون لازمه محال، والجمع بين الضدين محال.

ولا يقال: فيلزم العجز؛ لأن المحال ليس بشيء، فلا تتعلق به القدرة، والله على كل شيء قدير، فلا يَخرج ممكنٌ عن قدرته البتّة.

181

الجواب الثاني: أن دعوى كون توسّط أحد الأمرين إذا كان شرطًا في الآخر أو سببًا له عبث= دعوى كاذبة باطلة؛ فإنّ العبث هو الذي لا فائدة فيه، وأما توسّط الشرط أو السبب أو المادة التي يُحدِثُ فيها ما يُحدِثُه فليس بعبث.

يوضحه الجواب الثالث: أن حصول الأعراض والصفات التي يُحدِثُها الله سبحانه في موادّها مشروط بحصول تلك المواد، ولا يُتصوَّر وجودها بدونها، فتوسّطها أمر ضروري لابدّ منه، فنقلب عليكم دليلكم، ونقول: هل يقدر سبحانه على إيجاد تلك الحوادث بدون توسّط موادّها الحاملة لها أو لا يمكن؟

فإن قلتم: يمكن ذلك، كان توسّطها عبثًا، وإن قلتم: لا يقدر، كان تعجيزًا.

فإن قلتم: هذا فرض مستحيل، والمحال ليس بشيء.

قيل: صدقتم، وهذا جوابكم بعينه؛ فإن الموقوف على الشيء يمتنع حصوله بدونه، فلا يكون توسّطه عبثًا.

الجواب الرابع: أن يقال: إذا كان في خلق تلك الوسائط حِكَم أخرى تحصل بخلقها للفاعل، وفي خلقها مصالح ومنافع لتلك الوسائط= لم يكن توسّطها عبثًا، ولم تكن الحكمة الحاصلة بوجودها مساوية للحكمة الحاصلة١ بعدمها.

  1. (١) من قوله: «بوجودها» إلى هنا ساقط من «د».
182

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي