شفاء العليل

كما أنه سبحانه إذا جعل رزق بعض خلقه في التجارات مثلًا، فاقتضى ذلك أن يجلبوا البضائع إلى مَن يحتاج إليها، فينتفع هؤلاء بالبضائع وهؤلاء بالثمن= كان في ذلك مصلحة هؤلاء وهؤلاء.

وإذا تأملت الوجود رأيته قائمًا بذلك شاهدًا به على منكري الحكمة، فكم لله سبحانه في إحداث تلك الوسائط من حِكَم ومصالح ومنافع للعباد، لو بطلت تلك الوسائط لفاتت تلك الحِكَم والمصالح.

الجواب الخامس: قولك: «يلزم العبث وهو على الله محال»، فيقال: إن كان العبث عليه محالًا لزم أن لا يفعل ولا يأمر إلا لمصلحة وحكمة، فبطل قولك بقولك، وإن لم يكن العبث عليه محالًا بطلت هذه الحجة، فيتحقق بطلانها على التقديرين.

الجواب السادس: أن يقال: ما المانع أن يفعل سبحانه أشياء معلَّلة، وأشياء غير معلَّلة، بل مرادة لذاتها؟

وإذا جاز هذا جاز أن يقال: إن هذه الوسائط غير معلَّلة، ولا يمكنك نفي هذا القسم إلا بأن تقول: إن شيئًا من أفعاله غير معلَّل البتّة، وأنت إنما نفيت هذا بلزوم العبث في توسّط تلك الأمور، ولا يلزم من انتفاء التعليل في بعض الأفعال انتفاؤه في الجميع؛ فإنه لا يجب أن يكون كل شيء لعلة، فأنت نفيت جواز التعليل.

وغاية هذه الحجة ــ لو صحّت ــ أن تدل على أنه لا يجب في كل شيء أن يكون لعلة، فلمْ يلتقِ الحكم والدليل، وهذا كما يقول الفقهاء ــ مع قولهم بالتعليل ــ: إن من الأحكام ما هو تعبُّد غير معلَّل، فهلّا قلت في الخلق كقولهم في الأمر، وهذا إنما هو بطريق الإلزام، وإلا فالحق أن جميع أفعاله

183

وشرعه لها حِكَم وغايات لأجلها فَعَل وشَرَع، وإن لم يَعْلمها الخلق على التفصيل، فلا يلزم من عدم علمهم بها انتفاؤها في نفسها.

الجواب السابع١: أن يقال: غاية هذه الشبهة أن يكون سبحانه قادرًا على تحصيل تلك الحِكَم بدون تلك الوسائط، كما هو قادر على تحصيلها بها، وإذا كان الأمران مقدوران له لم يكن العدول عن أحد المقدورَيْن إلى الآخر عبثًا، إلا إذا كان المقدور الآخر مساويًا لهذا من كل وجه.

ولا يمكن عاقلًا أن يقول: إن تعطيل تلك الوسائط وعدمها مساوٍ من كل وجه لوجودها. وهذا من أعظم البهت وأبطل الباطل، وهو يتضمن القدح في الحسّ والعقل والشرع، كما هو قدح في الحكمة؛ فإنّ مَنْ جعل وجود الرسل وعدمهم سواء، ووجود الشمس والقمر والنجوم والمطر والنبات والحيوان وعدمه سواء، ووجود هذه الوسائط جميعها وعدمها سواء= فلم يدع للمكابرة موضعًا.

الجواب الثامن: قولك: «جميع الأغراض يرجع حاصلها إلى شيئين: تحصيل اللذة، ودفع الهم والحزن»، أتريد به الغرض الذي يفعل لأجله الحيوان، أو الحكمة التي يفعل الله سبحانه لأجلها، أم تريد به ما هو أعم من ذلك؟

فإن أردت الأول لم يفدك شيئًا، وإن أردت الثاني أو الثالث كانت دعوى مجردة لا برهان عليها؛ فإن حكمة الربّ تعالى فوق تحصيل اللذة ودفع الغم والحزن، فإنه يتعالى عن ذلك، بل ليس كمثل حكمته شيء.

  1. (١) «د»: «السادس»، وتسلسل الخطأ فيما بعد من أجوبة.
184

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي