وإن أردت حقائق تلك الألفاظ لم يلزم من كونه يفعل لحكمة أن يتصف بذلك.
الجواب العاشر: أنه سبحانه إذا كان قادرًا على تحصيل ذلك بدون الوسائط، وهو قادر على تحصيله بها= كان فعْل النوعين أكمل وأبلغ في القدرة، وأعظم في ملكه وربوبيته من كونه لا يفعل إلا أحد النوعين.
والربّ تعالى تتنوّع أفعاله لكمال قدرته وحكمته وربوبيته، فهو سبحانه قادر على تحصيل تلك الحكمة بواسطة إحداث مخلوق منفصل، وبدون إحداثه، بل بما يقوم به من أفعاله اللازمة وكلماته وثنائه على نفسه وحمده لنفسه، فمحبوبه يحصل بهذا وهذا، وذلك أكمل ممن لا يحصل محبوبه إلا بأحد النوعين.
الجواب الحادي عشر: أن الربّ سبحانه كامل في أوصافه وأسمائه وأفعاله، فلا بدّ من ظهور آثارها في العالم، فإنه محسن ويستحيل وجود الإحسان بدون من يحسن إليه، ورازق فلابدّ من وجود من يرزقه، وغفّار وحليم، وجواد وبَرّ، ولطيف بعباده، ومنّان ووهّاب، وقابض وباسط، وخافض ورافع، ومعزّ ومذلّ، وهذه الأسماء والصفات تقتضي متعلقات تتعلق بها، وآثارًا تتحقق بها، فلم يكن بدّ من وجود متعلقاتها، وإلا تعطلت تلك الأوصاف، وبطلت تلك الأسماء.
فتوسّط تلك الآثار لابدّ منه في تحقّق معاني تلك الأسماء والصفات، فكيف يقال: إنه عبث لا فائدة فيه؟! وبالله التوفيق.
فصل
قال نفاة الحكمة: لو وجب أن يكون خلْقه وأمره معلَّلًا بحكمة وغرض
لكان خلْقُ الله العالَمَ في وقت معين دون ما قبله ودون ما بعده معلّلًا برعاية غرض ومصلحة، ثم ذلك الغرض والمصلحة إما أن يقال: كان حاصلًا قبل ذلك الوقت، أو لم يكن حاصلًا قبله.
فإن كان ما لأجله أوجد الله العالم في ذلك الوقت حاصلًا قبل أن أوجده؛ فيلزم أن يقال: إنه كان موجِدًا له قبل أن لم يكن موجِدًا له، وذلك محال.
وإن قلنا: إن ذلك الغرض والمصلحة لم يكن حاصلًا قبل ذلك الوقت، وإنما حدث في ذلك الوقت، فنقول: حصول ذلك الغرض في ذلك الوقت إما أن يكون مفتقرًا إلى المحدِث أو لا يفتقر، فإن لم يفتقر فقد حدث الشيء لا عن موجِد ومحدِث، وهو محال، وإن افتقر إلى محدِث: فإن افتقر تخصيص إحداث ذلك الغرض بذلك الوقت إلى غرض آخر؛ عاد التقسيم الأول فيه، ولزم التسلسل، وإن لم يفتقر إلى رعاية غرض آخر؛ فحينئذ تكون موجِديّة الله سبحانه وخالقيّته غنية عن الأغراض والمصالح، وهذا هو المطلوب.
قالوا: وهذه الحجة كما أنها١ قائمة في اختصاص العالم بذلك الوقت المعين فهي قائمة في اختصاص كل حادث من الحوادث بوقته المعين.
وملخصها: أنّ إحداث الحادث في وقته إن كان لغرض: فإن كان ذلك الغرض حاصلًا قبله لزم حدوثه قبل حدوثه، وإلا افتقر إلى الإحداث، فإحداثه إن كان لغرض يتسلسل، وإلا ثبت المطلوب.
قال أهل الحكمة: هذه الحجة بعينها مذكورة في ضمن الحجة الثانية