شفاء العليل

التي تقدمت، وكأنكم يعجبكم التشبّع١ بكثرة الباطل، وجميع ما أجبناكم به هناك فهو الجواب ههنا بعينه.

فغاية هذا أنه تسلسل في الآثار لا في المؤثِّرات، وتسلسل في الحوادث المستقبَلَة، وذلك جائز، بل واجب باتفاق المسلمين سوى قول الجهم٢ والعلّاف، وغاية الأمر أن يكون في الحوادث ما يراد لنفسه، وفيها ما يراد لغيره، والحكمة المطلوبة لنفسها لا تفتقر إلى أخرى تراد لأجلها.

وإن هذا الدليل لو صحت مقدماته ــ وهيهات ــ فإنما يدل على أن أفعاله تعالى لا يجب تعليلها، ولا يلزم من ذلك أن لا يجوز تعليلها، فنفي الوجوب شيء، ونفي الجواز شيء. فهب أنّا سلّمنا الأول، فأين دليل الثاني؟ وغايتها أنها تدل على عدم تعليل بعض الحوادث، لا على عدم تعليل جميعها.

وبالجملة فما تقدم هناك مُغْنٍ لنا عن الإطالة في الأجوبة.

وسر المسألة أن دوام فاعلية الربّ تعالى تُبْطِل هذه الشبهة من أصلها، وقد اتفق المسلمون على دوام فاعليته في المستقبل، والسلف على دوامها في الماضي، وإنما خالف في ذلك كثير من أهل الكلام.

فصل

قال نفاة الحكمة: قد قام الدليل على أنه سبحانه خالق كل شيء، فأي

  1. (١) «م»: «التشيع» معجمة، والمثبت من «د» أشبه.
  2. (٢) «م»: «الجهمية» تحريف؛ فإن القول بمنع تسلسل الحوادث في الماضي والمستقبل هو قول الجهم خلافًا لعامة أتباعه، انظر: «الصفدية» (١/ ١١)، وينظر في حكاية الاتفاق أيضًا: «مجموع الفتاوى» (٨/ ٣٨٠)، «منهاج السنة» (١/ ١٤٦).
188

حكمة أو مصلحة في خلق الكفر والفسوق والعصيان؟

وأي حكمة في خلق مَنْ علم أنه يكفر ويفسق ويظلم، ويفسد الدنيا والدين؟

وأي حكمة في خلق كثير من الجمادات التي وجودها وعدمها سواء؟ وكذلك كثير من الأشجار والنبات والمعادن المعطلة، والحيوانات المهملة، بل العادية المؤذية؟

وأي١ حكمة في خلق السموم والأشياء المضرة؟

وأي حكمة في خلق إبليس والشياطين، وإن كان في خلقهم حكمة فأي حكمة في إبقائه إلى آخر الدهر، وإماتة٢ الرسل والأنبياء؟

وأي حكمة في إخراج آدم وحواء من الجنة، وتعريض الذرية لهذا البلاء العظيم، وقد أمكن أن يكونوا في أعظم العافية؟

وأي حكمة في إيلام الحيوانات، وإن كان في إيلام المكلَّفين منها حكمة، فما الحكمة في إيلام غير المكلَّف، كالبهائم والأطفال والمجانين؟

وأي حكمة له في خلقه خلقًا يعذبهم بأنواع العذاب الدائم الذي لا ينقطع؟

وأي حكمة في تسليط أعدائه على أوليائه يسومونهم سوء العذاب: قتلًا وأسْرًا وعقوبة واستعبادًا؟

  1. (١) نهاية القطعة الموجودة من «ج».
  2. (٢) «م»: «وإهانة» تحريف.
189

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي