شفاء العليل

لقائه أنه لم يُخِلّ بحكمة، ولم يخلق خلقه عبثًا، ولا تركهم سُدى، وأنه لم يخلق السماوات والأرض وما بينهما باطلًا، وأن له الحمد التام الكامل على جميع ما خلقه وقدره وقضاه، وعلى ما أمر به ونهى عنه، وعلى ثوابه وعقابه، وأنه لم يضع من ذلك شيئًا إلا في محلّه الذي لا يليق به سواه.

قال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ٣٨ لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا﴾ [النحل: ٣٨ - ٣٩].

وإذا تبين ذلك لأهل الموقف، ونفذ فيهم قضاؤه الفصل، وحكمه العدل؛ نطق الكونُ أجمعُه بحمده، كما قال تعالى: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ٧٥﴾ [الزمر: ٧٥].

وجواب هذه الأسئلة من وجوه:

أحدها: أن الحكمة إنما تتعلّق بالحدوث والوجود، والكفر والشرور وأنواع المعاصي راجعة إلى مخالفة نهي الله ورسوله، وترْك ما أمر به، وليس ذلك من متعلَّق الإيجاد في شيء، ونحن إنما التزمنا أن ما فعله الله وأوجده فله فيه حكمة وغاية مطلوبة، وأما ما تركه سبحانه ولم يفعله فإنه وإن كان إنما تركه لحكمة في ذلك فلم يدخل في كلامنا، فلا يرد علينا.

وقد قدمنا: أن الشر ليس إليه بوجه؛ فإنه عدَم الخير وأسبابه، والعدَم ليس بشيء كاسمه.

فإذا قلنا: إن أفعال الرب تعالى واقعة لحكمة وغاية محمودة؛ لم يرد علينا ترْكه.

193

يوضحه الجواب الثاني: وهو أنه سبحانه قد يترك ما لو خلقه لكان في خلقه له حكمة، فيتركه لعدم محبته لوجوده، أو لكون وجوده يضاد ما هو أحب إليه، أو لاستلزام وجوده فواتَ محبوب له آخر، وعلى هذا فتكون حكمته في عدم خلقه أرجح من حكمته في خلقه، والجمع بين الضدين مستحيل، فيرجِّح سبحانه أعلى الحكمتين بتفويت أدناهما، وهذا غاية الحكمة، فخلْقه وأمْره مبني على تحصيل المصالح الخالصة أو الراجحة بتفويت المرجوحة التي لا يمكن الجمع بينها وبين تلك الراجحة، وعلى دفع المفاسد الخالصة أو الراجحة وإن وُجِدت المفاسد المرجوحة التي لا يمكن الجمع بين عدمها وعدم تلك الراجحة، وخلاف هذا هو خلاف الصواب والحكمة.

الجواب الثالث: أن يقال: غاية ذلك انتفاء الحكمة في هذا النوع من المقدورات، أفيلزم من ذلك انتفاؤها في جميع خلقه وحكمه؟

فهب أن هذا النوع لا حكمة فيه، فمن أين يستلزم ذلك نفي الحكمة والغرض في كل شيء؟ كيف وفيه من الحِكَم والغايات المحمودة ما هو معلوم لأهل البصائر الراسخين في العلم، كما سننبه على اليسير منه إن شاء الله.

الجواب الرابع: أنّا لم نَدّعِ حكمة يجب أو يمكن اطّلاع الخلق على تفاصيلها؛ فإن حكمة الله أعظم وأجل من ذلك، فما المانع من اشتمال ما ذكرتم من الصور وغيرها على حِكَم جمّة ينفرد الله بعلمها، كما قال لملائكته وقد سألوه عن ذلك: ﴿إِنِّيَ أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠]، فمن يقول بلزوم الحكمة لأفعاله وأحكامه مطلقًا لا يوجب مشاركة خلقه له في العلم بها.

194

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي