شفاء العليل

الجواب الخامس: أن الله سبحانه ليس كمثله شيء في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، فله في جميع ما ذكرتم وغيره حكمة ليست من جنس الحكمة التي للمخلوقين، كما أن فعله ليس مماثلًا لفعلهم، ولا قدرته وإرادته ومشيئته ومحبته ورضاه وغضبه مماثلًا لصفات المخلوقين.

الجواب السادس: أن الحكمة تابعة للعلم والقدرة، فمن كان أعلم وأقدر كانت أفعاله أحكم وأكمل، والربُّ تعالى منفرد بكمال العلم والقدرة، فحكمته بحسب علمه وقدرته، كما تقدم تقريره، فحكمته متعلقة بكل ما تعلق به علمه وقدرته.

الجواب السابع: أن الأدلة القاطعة قد قامت على أنه حكيم في أفعاله وأحكامه، فيجب القول بموجِبها، وعدم العلم بحكمته في الصور المذكورة لا يكون مسوّغًا لمخالفة تلك الأدلة القاطعة، لاسيما وعدم العلم بالشيء لا يستلزم العلم بعدمه.

الجواب الثامن: أن كماله المقدس يمنع خلو هذه الصور ــ التي نقضتم بها ــ عن الحكمة، وكماله أيضًا يأبى اطّلاع خلقه على جميع حكمته، فحكمته تمنع اطّلاع خلقه على جميع حكمته، بل الواحد منا لو أَطْلع غيرَه على جميع شأنه وأمْره عُدّ سفيهًا جاهلًا، وشأن الربّ تعالى أعظم من أن يُطْلِع كل واحد من خلقه على تفاصيل حكمته.

الجواب التاسع: أنكم إما أن تعترفوا بأن له حكمة في شيء من خلقه وأمره، أو تنكروا أن يكون له في شيء من خلقه وأمره حكمة، فإن أنكرتم ذلك ــ وما هو من الظالمين ببعيد ــ كذّبتم جميع كتب الله ورسله والعقل والفطرة والحس، وكذّبتم عقولكم قبل تكذيب العقلاء لكم؛ فإنّ جَحْد

195

حكمة الله الباهرة في خلقه وأمره بمنزلة جَحْد الشمس والقمر والليل والنهار، وغير مستنكر لكثير من طوائف أهل الكلام المكابرة في جَحْد الضروريات.

وإن أقررتم بحكمته في بعض خلقه وأمره قيل لكم: فأي الأمرين١ أولى به: وجود تلك الحكمة أم عدمها؟

فإن قلتم: عدمها أولى من وجودها؛ كان هذا غاية الكذب والبهت والمحال.

وإن قلتم: وجودها أكمل؛ قيل: فهل هو قادر على تحصيلها في جميع خلقه وأحكامه، أم غير قادر؟

فإن قلتم: غير قادر؛ جئتم بالعظيمة في العقل والدين، وانسلختم من عقولكم وأديانكم.

وإن قلتم: بل هو قادر على ذلك؛ قيل: فإذا كان قادرًا على شيء وهو كمال في نفسه، ووجوده خير من عدمه، وهو أولى به= فكيف يجوز نفيه عنه؟

فإن قلتم: إنما نفيناه لأنا لم نطلع على حقيقته؛ قيل: صدقتم، هذا والله شأنكم في جميع ما تنفونه عن الله، إنما مستندكم في نفيه عدم الاطلاع على حقيقته، ولم تكتفوا بقبول قول الرسل، فصرتم إلى النفي.

الجواب العاشر: أن العقلاء قاطبة متفقون على أن الفاعل منهم إذا فعل

  1. (١) «م»: «الكفرين».
196

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي