شفاء العليل

حكمة الله الباهرة في خلقه وأمره بمنزلة جَحْد الشمس والقمر والليل والنهار، وغير مستنكر لكثير من طوائف أهل الكلام المكابرة في جَحْد الضروريات.

وإن أقررتم بحكمته في بعض خلقه وأمره قيل لكم: فأي الأمرين١ أولى به: وجود تلك الحكمة أم عدمها؟

فإن قلتم: عدمها أولى من وجودها؛ كان هذا غاية الكذب والبهت والمحال.

وإن قلتم: وجودها أكمل؛ قيل: فهل هو قادر على تحصيلها في جميع خلقه وأحكامه، أم غير قادر؟

فإن قلتم: غير قادر؛ جئتم بالعظيمة في العقل والدين، وانسلختم من عقولكم وأديانكم.

وإن قلتم: بل هو قادر على ذلك؛ قيل: فإذا كان قادرًا على شيء وهو كمال في نفسه، ووجوده خير من عدمه، وهو أولى به= فكيف يجوز نفيه عنه؟

فإن قلتم: إنما نفيناه لأنا لم نطلع على حقيقته؛ قيل: صدقتم، هذا والله شأنكم في جميع ما تنفونه عن الله، إنما مستندكم في نفيه عدم الاطلاع على حقيقته، ولم تكتفوا بقبول قول الرسل، فصرتم إلى النفي.

الجواب العاشر: أن العقلاء قاطبة متفقون على أن الفاعل منهم إذا فعل

  1. (١) «م»: «الكفرين».
196

أفعالًا ظهرت فيها حكمته، ووقعت على أتم الوجوه وأوفقها للمصالح المقصودة بها، ثم رأوا أفعاله قد تكرّرت كذلك، ثم جاءهم من أفعاله ما لا يعلمون وجه حكمته فيه= لم يسعهم غير التسليم لِمَا عرفوا من حكمته، واستقرَّ في عقولهم منها، وردّوا متشابه ما جهلوه إلى مُحكَم ما علموه.

هكذا نجد أرباب كل صناعة مع أستاذهم، حتى إن النفاة يسلكون هذا المسلك بعينه مع أئمتهم وشيوخهم، فإذا جاءهم إشكالٌ على قواعد أئمتهم ومذاهبهم، قالوا: هم أعلم منا، وهم فوقنا في كل علم ومعرفة وحكمة، ونحن معهم كالصبي مع معلمه وأستاذه.

فهلّا سلكوا هذا السبيل مع ربهم وخالقهم الذي بهرت حكمته العقول، وكان نسبتها إلى حكمته أقل١ من نسبة عين الخُفّاش إلى جرم الشمس.

ولو أنّ العالِم الفاضل المبرَّز في علوم كثيرة اعترض على من لم يشاركه في صنعته، ولا هو من أهلها، وقدح في أوضاعها= لخرج٢ عن موجِب العقل والعلم، وعُدّ ذلك منه نقص وسفه، فكيف بأحكم الحاكمين، وأعلم العالمين، وأقدر القادرين؟!

الجواب الحادي عشر: أن الحكمة إنما تتم بخلْق المتضادّات والمتقابلات، كالليل والنهار، والعلو والسفل، والطيّب والخبيث، والخفيف والثقيل، والحلو والمر، والحرّ والبرد، والألم واللذة، والحياة والموت، والداء والدواء، فخلْق هذه المتقابلات هو محل ظهور الحكمة الباهرة، كما

  1. (١) «د»: «أولى».
  2. (٢) تحرفت في الأصول إلى: «يخرج» مهملة الأول.
197

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي