شفاء العليل

فالكمال كل الكمال في العطاء والمنع، والخفض والرفع، والثواب والعقاب، والإكرام والإهانة، والإعزاز والإذلال، والتقديم والتأخير، والضر والنفع، وتخصيص هذا على هذا، وإيثار هذا على هذا، ولو فَعَل هذا كله بنوع واحد متماثل الأفراد لكان ذلك منافيًا لحكمته، وحكمته تأباه كل الإباء؛ فإنه لا يفرِّق بين متماثلَيْن، ولا يُسوِّي بين مختلفَيْن.

وقد عاب على من يفعل ذلك، وأنكر على من نسبه إليه، والقرآن مملوء من عيبه على من يفعل ذلك، فكيف يَجْعل له العبيدُ ما يكرهون، ويضربون له مَثَلَ السَّوْء!

وقد فطر الله عباده على إنكار ذلك من بعضهم على بعض، وطَعْنهم على من يفعله، وكيف يعيب الربّ سبحانه من عباده شيئًا ويتصف به! وهو سبحانه إنما عابه لأنه نقص، فهو أولى أن ينزَّه عنه.

وإذا كان لابدّ من ظهور آثار الأسماء والصفات، ولا يمكن ظهور آثارها إلا في المتقابلات والمتضادات= لم يكن بُدّ في الحكمة من إيجادها؛ إذ لو فُقِدت لتعطلت أحكام تلك الصفات، وهو محال.

يوضحه الوجه الثاني عشر: أن من أسمائه الأسماء المزدوجة: كالمعزّ المذل، والخافض الرافع، والقابض الباسط، والمعطي والمانع، ومن صفاته الصفات المتقابلة: كالرضا والسخط، والحب والبغض، والعفو والانتقام، وهذه صفات كمال، وإلا لم يتصف بها، ولم يتسَمَّ بأسمائها.

وإذا كانت صفات كمال: فإما أن يعطل مقتضاها وموجَبها، وذلك يستلزم تعطيلها في أنفسها، وإما أن تتعلق بغير محلها الذي يليق بأحكامها، وذلك نقص وعيب يتعالى عنه، فتعيّن تعلّقها بمحالها التي تليق بها.

199

وهذا وحده كافٍ في الجواب لمن كان له تفقّه١ في باب الأسماء والصفات، ولا عبرة بغيره.

يوضحه الوجه الثالث عشر: أن من أسمائه: المَلِك، ومعنى المُلْك الحقيقي ثابت له سبحانه بكل وجه، وهذه الصفة تستلزم سائر صفات الكمال؛ إذ من المحال ثبوت المُلْك الحقيقي التام لمن ليس له حياة، ولا قدرة، ولا إرادة، ولا سمع، ولا بصر، ولا كلام، ولا فعل اختياري يقوم به.

وكيف يوصَف بالمُلْك مَنْ لا يأمر ولا ينهى، ولا يثيب ولا يعاقب، ولا يعطي ولا يمنع، ولا يعز ويذلّ، ويهين ويكرم، وينعم وينتقم، ويخفض ويرفع، ويرسل الرسل إلى أقطار مملكته، ويتقدم إلى عبيده بأوامره ونواهيه؟ فأي مُلْك في الحقيقة لمن عَدِم ذلك.

وبهذا يتبين أن المعطلين لأسمائه وصفاته جعلوا مماليكه أكمل منه، ويأنف أحدهم أن يقال في مُلْكه وأمْره٢ ما يقوله هو في ربه، فصفة مُلْكه الحق مستلزمة لوجود ما لا يتم التصرف إلا به، والكل منه سبحانه، فلم يتوقف كمال ملكه على غيره؛ فإن كل ما سواه مستند إليه، متوقف في وجوده على مشيئته وخلقه.

يوضحه الوجه الرابع عشر: أن كمال ملكه بأن يكون مقارنًا لحمده، فله المُلْك وله الحمد.

والناس في هذا المقام ثلاث فرق:

  1. (١) «د»: «فقه».
  2. (٢) «د»: «وأميره».
200

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي