شفاء العليل

وهذا وحده كافٍ في الجواب لمن كان له تفقّه١ في باب الأسماء والصفات، ولا عبرة بغيره.

يوضحه الوجه الثالث عشر: أن من أسمائه: المَلِك، ومعنى المُلْك الحقيقي ثابت له سبحانه بكل وجه، وهذه الصفة تستلزم سائر صفات الكمال؛ إذ من المحال ثبوت المُلْك الحقيقي التام لمن ليس له حياة، ولا قدرة، ولا إرادة، ولا سمع، ولا بصر، ولا كلام، ولا فعل اختياري يقوم به.

وكيف يوصَف بالمُلْك مَنْ لا يأمر ولا ينهى، ولا يثيب ولا يعاقب، ولا يعطي ولا يمنع، ولا يعز ويذلّ، ويهين ويكرم، وينعم وينتقم، ويخفض ويرفع، ويرسل الرسل إلى أقطار مملكته، ويتقدم إلى عبيده بأوامره ونواهيه؟ فأي مُلْك في الحقيقة لمن عَدِم ذلك.

وبهذا يتبين أن المعطلين لأسمائه وصفاته جعلوا مماليكه أكمل منه، ويأنف أحدهم أن يقال في مُلْكه وأمْره٢ ما يقوله هو في ربه، فصفة مُلْكه الحق مستلزمة لوجود ما لا يتم التصرف إلا به، والكل منه سبحانه، فلم يتوقف كمال ملكه على غيره؛ فإن كل ما سواه مستند إليه، متوقف في وجوده على مشيئته وخلقه.

يوضحه الوجه الرابع عشر: أن كمال ملكه بأن يكون مقارنًا لحمده، فله المُلْك وله الحمد.

والناس في هذا المقام ثلاث فرق:

  1. (١) «د»: «فقه».
  2. (٢) «د»: «وأميره».
200

فالرسل وأتباعهم أثبتوا له المُلْك والحمد، وهذا مذهب من أثبت له القدر والحكمة وحقائق الأسماء والصفات، ونزّهَه عن النقائص ومشابهة المخلوقات، ويوحشك١ في هذا المقام جميع الطوائف غير أهل السنة، الذين لم يتحيزوا إلى نحلة ولا مقالة ولا متبوع من أهل الكلام.

الفرقة الثانية: الذين أثبتوا له المُلْك، وعطّلوا حقيقة الحمد، وهم الجبرية نفاة الحكمة والتعليل، القائلين٢ بأنه يجوز عليه كل ممكن، ولا يُنزَّه عن فعل قبيح، بل كل ممكن فإنه لا يقبح منه، وإنما القبيح المستحيل لذاته، كالجمع بين النقيضين، فيجوز عليه تعذيب ملائكته وأنبيائه ورسله وأهل طاعته، وإكرام إبليس وجنوده، وجعْلهم فوق أوليائه في النعيم المقيم أبدًا. ولا سبيل لنا إلى العلم باستحالة ذلك إلا من نفي الخُلْف في خبره فقط.

فيجوز عندهم أن يأمر بمسبّته ومسبَّة أنبيائه، والسجود للأصنام، وبالكذب والفجور، وسفك الدماء، ونهب الأموال، وينهى عن البر والصدق والإحسان والعفاف.

ولا فرق في نفس الأمر بين ما أمر به ونهى عنه إلا التحكم بمحض المشيئة٣، وأنه أَمَر بهذا ونهى عن هذا من غير أن يكون فيما أَمَر به صفةُ حُسْنٍ تقتضي محبته والأمر به، ولا فيما نهى عنه صفةُ قُبْحٍ تقتضي كراهته والنهي عنه.

  1. (١) «م»: «ويوحد»، ومادة (وحش) تدل على خلاف الأنس، «مقاييس اللغة» (٦/ ٩١).
  2. (٢) كذا في الأصول بالنصب: «القائلين»، ولها وجه في العربية بالنصب على الاختصاص، والجادة: «القائلون».
  3. (٣) «م»: «لمحض المشيئة».
201

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي