ولهذا كان شُكْرُ الملائكة وخضوعُهُم وذلُّهم لعظمته وجلاله بعد أن شاهدوا من إبليس ما جرى له، ومن هاروت وماروت ما شاهدوه= أعلى وأكمل مما كان قبله، وهذه حكمة الربّ تعالى.
وكذلك شُكْر الأنبياء ﵈ وأتباعِهِم كان بعد أن عاينوا هلاك أعدائهم، وانتقام الرب منهم، وما أنزل بهم من بأسه.
وكذلك شُكْر أهل الجنة في الجنة وهم يشاهدون أعداءه المكذبين لرسله، المشركين به في ذلك العذاب العظيم، فلا ريب أن شكرهم حينئذ ورضاهم ومحبتهم لربهم أكمل وأعظم مما لو قَدّر اشتراكَ جميعِ الخلق في النعيم، فالمحبة الحاصلة من أوليائه له، والرضا والشكر وهم يشاهدون بني جنسهم في ضد ذلك من كل وجه= أكمل وأتم.
فالضدُّ يُظهر حُسْنَهُ الضّدُّ١
وبضدِّها تتبيَّن الأشياءُ٢
ولولا خَلْقُ القبيح لما عُرِفت فضيلةُ الجمال والحُسْن، ولولا خَلْقُ
(١) عجز بيت من قصيدة شهيرة عُرِفت باليتيمة (٣٠)، وقد اختلفت العلماء في نسبتها على أقوال، ورجح المنجد في مقدمة تحقيقه للقصيدة (١٤) جهالة قائلها، وصدر البيت: ضِدّان لما استجمعا حَسُنا
(٢) عجز بيت للمتنبي، قيل: إنه مأخوذ من البيت السابق، كما في «الديوان بشرح الواحدي» (١٩٧)، وصدره: ونذمّهم وبهم عرفنا فضله
الظلام لما عُرِفت فضيلةُ النور، ولولا خَلْقُ أنواع البلاء لما عُرِف قَدْرُ العافية، ولولا الجحيمُ لما عُرِف قدرُ الجنة، ولو جَعَل الله سبحانه النهار سَرْمدًا لما عُرِف قدْرُهُ، ولو جَعَل الليل سَرْمدًا لما عُرِف قدْرُهُ.
وأعرف الناس بقدر النعمة من ذاق البلاء، وأعرفهم بقدر الغنى من قاسى مرائر الفقر والحاجة، ولو كان الناس كلهم علماء لما عُرِفت فضيلةُ العلم وقدرُهُ، ولو كانوا كلهم١ أغنياء لما عُرِفت فضيلةُ الغنى، ولو كانوا كلهم على صورة واحدة من الجمال لما عُرِف قدرُ الجمال، وكذلك لو كانوا كلهم مؤمنين لما عُرِف قدرُ الإيمان والنعمة به.
فتبارك مَنْ له في خلقه وأمره الحِكَمُ البوالغ، والنِّعَمُ السوابغ.
يوضحه الوجه السابع عشر: أنه سبحانه يحب أن يُعبد بأنواع العبودية، ومن أعلاها وأجلها عبودية الموالاة فيه والمعاداة فيه، والحب فيه والبغض فيه، والجهاد في سبيله، وبذْلُ مُهَج النفوس في مرضاته ومغاضبة أعدائه.
وهذا النوع هو ذروة سنام العبودية وأعلى مراتبها، وهو أحب أنواعها إليه، وهو موقوف على ما لا يحصل بدونه مِنْ خَلْق الأرواح التي تواليه وتشكره وتؤمن به، والأرواح التي تعاديه وتكفر به، وتسليط بعضها على بعض؛ لتحصل بذلك محابُّه على أتم الوجوه، وتُقرِّب أولياءه إليه بجهاد أعدائه ومغاضبتهم فيه وإذلالهم وكبْتهم ومخالفة سبيلهم، فتعلو كلمته ودعوته على كلمة الباطل ودعوته، ويتبين بذلك شرف علوها وظهورها.