شفاء العليل

الظلام لما عُرِفت فضيلةُ النور، ولولا خَلْقُ أنواع البلاء لما عُرِف قَدْرُ العافية، ولولا الجحيمُ لما عُرِف قدرُ الجنة، ولو جَعَل الله سبحانه النهار سَرْمدًا لما عُرِف قدْرُهُ، ولو جَعَل الليل سَرْمدًا لما عُرِف قدْرُهُ.

وأعرف الناس بقدر النعمة من ذاق البلاء، وأعرفهم بقدر الغنى من قاسى مرائر الفقر والحاجة، ولو كان الناس كلهم علماء لما عُرِفت فضيلةُ العلم وقدرُهُ، ولو كانوا كلهم١ أغنياء لما عُرِفت فضيلةُ الغنى، ولو كانوا كلهم على صورة واحدة من الجمال لما عُرِف قدرُ الجمال، وكذلك لو كانوا كلهم مؤمنين لما عُرِف قدرُ الإيمان والنعمة به.

فتبارك مَنْ له في خلقه وأمره الحِكَمُ البوالغ، والنِّعَمُ السوابغ.

يوضحه الوجه السابع عشر: أنه سبحانه يحب أن يُعبد بأنواع العبودية، ومن أعلاها وأجلها عبودية الموالاة فيه والمعاداة فيه، والحب فيه والبغض فيه، والجهاد في سبيله، وبذْلُ مُهَج النفوس في مرضاته ومغاضبة أعدائه.

وهذا النوع هو ذروة سنام العبودية وأعلى مراتبها، وهو أحب أنواعها إليه، وهو موقوف على ما لا يحصل بدونه مِنْ خَلْق الأرواح التي تواليه وتشكره وتؤمن به، والأرواح التي تعاديه وتكفر به، وتسليط بعضها على بعض؛ لتحصل بذلك محابُّه على أتم الوجوه، وتُقرِّب أولياءه إليه بجهاد أعدائه ومغاضبتهم فيه وإذلالهم وكبْتهم ومخالفة سبيلهم، فتعلو كلمته ودعوته على كلمة الباطل ودعوته، ويتبين بذلك شرف علوها وظهورها.

  1. (١) من قوله: «علماء» إلى هنا ساقط من «م».
207

ولو لم يكن للباطل والكفر والشرك وجود فعلى أي شيء كانت كلمته ودعوته تعلو؟ فإن العلو أمر نسبي يستلزم عاليًا وما يُعلى عليه، وعلو الشيء على نفسه محال، والموقوف على الشيء لا يحصل بدونه.

يوضحه الوجه الثامن عشر: أن من عبوديته: العتق والصدقة والإيثار والمواساة والعفو والصفح والصبر وكظم الغيظ واحتمال المكاره، ونحو ذلك مما لا يتم إلا بوجود متعلَّقه وأسبابه، فلولا الرقّ لم تحصل عبودية العتق، والرقّ من أثر الكفر، ولولا الظلم والإساءة والعدوان لم تحصل عبودية الصبر والعفو والمغفرة وكظم الغيظ، ولولا الفقر والحاجة لم تحصل عبودية الصدقة والإيثار والمواساة، فلو ساوى بين خلقه جميعهم لتعطّلت هذه العبوديات التي هي أحب شيء إليه، ولأجلها خَلَق الجن والإنس، ولأجلها شرع الشرائع، وأنزل الكتب، وأرسل الرسل، وخلق الدنيا والآخرة.

كما أن ذلك من صفات كماله، فلو لم يقدّر الأسباب التي يحصل بها ذلك لفات هذا الكمال، وتعطّلت أحكام تلك الصفات كما مرّ.

يوضحه الوجه التاسع عشر: أنه سبحانه يفرح بتوبة عبده إذا تاب إليه أعظم فرح يُقدَّر، أو يخطر ببال، أو يدور في خَلَد، وحصول هذا الفرح موقوف على التوبة، الموقوفة على وجود ما يتاب منه، وما يتوقف عليه الشيء لا يوجد بدونه؛ فإن وجود الملزوم بدون لازمه محال، ولا ريب أن وجود هذا الفرح أكمل من عدمه، فمن تمام الحكمة تقدير أسبابه ولوازمه.

وقد نَبَّه أعلم الخلق بالله على هذا المعنى بعينه، حيث يقول في الحديث الصحيح: «لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون، ثم يستغفرون؛

208

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي