شفاء العليل

فيغفر لهم»١.

فلو لم يُقدِّر الذنوب والمعاصي فلمَنْ يغفر، وعلى مَنْ يتوب، وعمّن يعفو، ولمن يسامح ويعتق، ويُسقِط حقّه، ويُظهِر فضله وحلمه وجوده وكرمه، وهو واسع المغفرة، فكيف يعطّل هذه الصفة؟

أم كيف تتحقق بدون ما يُغْفَر، ومَنْ يغفر له، ومَنْ يتوب، وما يتاب منه؟

فلو لم يكن في تقدير الذنوب والمعاصي والمخالفات إلا هذا وحده لكفى به حكمة وغاية محمودة، فكيف والحِكَم والمصالح والغايات المحمودة التي في ضمن هذا التقدير فوق ما يخطر بالبال.

وكان بعض العُبَّاد يدعو في طوافه: اللهم اعصمني من المعاصي. ويُكْثِرُ من ذلك، فقيل له في المنام: أنت تسألني العصمة، وعبادي يسألوني العصمة، فإذا عصمتكم مِنَ الذنوب فلمَنْ أغفر، وعلى مَنْ أتوب، وعمَّنْ أعفو؟!

ولو لم تكن التوبة أحب الأشياء إليه لما ابتلى بالذنب أكرم الخلق عليه.

يوضحه الوجه العشرون: أنه قد ترتّب على خَلْق من يكفر به ويشرك به ويعاديه من الحِكَم الباهرة والآيات الظاهرة ما لم يكن يحصل بدون ذلك.

فلولا كُفْرُ قوم نوح لما ظهرت آية الطوفان، وبقيت آية يتحدث بها الناس على ممر الزمان، ولولا كُفْرُ عاد لما ظهرت آية الريح العقيم التي دمّرت ما مرّت عليه، ولولا كُفْرُ قوم صالح لما ظهرت آية إهلاكهم بالصيحة، ولولا كُفْرُ فرعون لما ظهرت تلك الآيات والعجائب التي تتحدث

  1. (١) تقدم تخريجه في (١/ ٣٧٨).
209

بها الأمم أمة بعد أمة، واهتدى بها من شاء الله، فهلك بها من هلك عن بيّنة، وحَيَّ بها من حَيَّ عن بيّنة، وظهر بها فضل الله وعدله وحكمته وآيات رسله وصدقهم.

فمعارضة الرسل، وكسر حججهم ودحضها، والجواب عنها، وإهلاك الله لهم من أعظم أدلة صدقهم وبراهينه.

ولولا مجيء المشركين بالحَدّ والحديد والعُدد والشوكة يوم بدر؛ لما حصلت تلك الآية العظيمة التي ترتب عليها من الإيمان والهدى والخير ما لم يكن حاصلًا مع عدمها.

وقد بيّنا أن الموقوف على الشيء لا يوجد بدونه، ووجود الملزوم بدون لازمه ممتنع.

فلله كم عَمرتْ قصةُ بدر من رَبْعٍ أصبح آهلًا بالإيمان، وقد فَتَحَتْ لأولي النُّهى من باب وصلوا منه إلى الهدى والإيقان، وكم حصل بها من محبوب للرحمن، وغيظ للشيطان، وتلك المفسدة التي حصلت في ضمنها للكفار مغمورة جدًّا بالنسبة إلى مصالحها وحِكَمها، وهي كمفسدة المطر إذا قَطَعَ المسافر، وبَلّ الثياب، وخرّب بعض البيوت؛ بالنسبة إلى مصلحته العامة.

وتأمّل ما حصل بالطوفان وغرق آل فرعون للأمم من الهدى والإيمان، الذي غمر مفسدة من هلك به، حتى تلاشت في جنب مصلحته وحكمته.

فكم لله من حكمة في آياته التي ابتلى بها أعداءه، وأكرم فيها أولياءه، وكم له فيها من آية وحجة وتبصرة وتذكرة.

210

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي