شفاء العليل

جَعْل صاحبها إمامًا للحنفاء إلى يوم القيامة، وهل تلك المفاسد الجزئية إلا دون مفسدة الحر والبرد والمطر والثلج بالنسبة إلى مصالحها بكثير.

ولكنّ الإنسان ــ كما قال الله ــ ظلومٌ جهولٌ، ظلومٌ لنفسه، جهولٌ بربّه وبعظمته وجلاله وحكمته وإتقان صنعه.

وكم بين إخراج رسول الله ﷺ من مكة على تلك الحال، ودخوله إليها ذلك الدخول الذي لم يفرح به بشر سواه، جنودُ الله قد اكتنفته من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله، والمهاجرون والأنصار قد أحدقوا به، والملائكة من فوقهم، والوحي من الله ينزل عليه، وقد أدخله حَرَمه ذلك الدخول، فأين مفسدة ذلك الإخراج الذي كان١ كأن لم يكن.

ولولا معارضة السحرة لموسى بإلقاء العصي والحبال حتى أخذوا أعين الناس واسترهبوهم= لما ظهرت آية عصا موسى حتى ابتلعت عصيهم وحبالهم، ولهذا أمرهم موسى ﵇ أن يُلقوا أولًا، ثم يلقي هو بعدهم.

ومن تمام ظهور آيات الرب تعالى وكمال اقتداره وحكمته أن يخلق مثل جبريل صلوات الله وسلامه عليه، الذي هو أطيب الأرواح العلوية وأزكاها وأطهرها وأشرفها، وهو السفير في كل خير وهدى وإيمان وصلاح، ويخلق مقابله مثل روح اللعين إبليس، الذي هو أخبث الأرواح وأنجسها وشرها، وهو الداعي إلى كل شر وأصله ومادته.

وكذلك من تمام قدرته وحكمته أن خلق الضياء والظلام، والأرض

  1. (١) «د»: «التي كان»، وهي ساقطة من «م»، والصواب المثبت.
213

والسماء، والجنة والنار، وسدرة المنتهى وشجرة الزقوم، وليلة القدر وليلة الوباء، والملائكة والشياطين، والمؤمنين والكفار، والأبرار والفجار، والحَرّ والبرد، والداء والدواء، والآلام واللذات، والأحزان والمسرات، واستخرج سبحانه من بين ذلك ما هو من أحب الأشياء إليه من أنواع العبوديات، والتعرف إلى خلقه بأنواع الدلالات.

ولولا خَلْق الشياطين والهوى١ والنفس الأمارة لما حصلت عبوديةُ الصبر ومجاهدة النفس والشيطان ومخالفتهما، وتَرْكُ ما يهواه العبد ويحبه لله، فإن لهذه العبودية شأنًا ليس لغيرها، ولولا وجود الكفار لما حصلت عبودية الجهاد، ولما نال أهلُهُ درجةَ الشهادة، ولما نَهَز مَن يقدّم محبة فاطره وخالقه على نفسه وأهله وولده، ومَن يقدم أدنى حظ من الحظوظ عليه.

فأين صبر الرسل وأتباعهم وجهادهم وتحمّلهم لله أنواع المكاره والمشاق، وأنواع العبودية المتعلّقة بالدعوة وإظهارها لولا وجود الكفار، وتلك العبودية تقتضي درجة لا تُنال إلا بها، والرب تعالى يحب أن يُبَلِّغها رسله وأتباعهم، ويُشْهِدهم نعمته عليهم وفضله وحكمته، ويستخرج منهم حمده وشكره ومحبته والرضا عنه.

يوضحه الوجه الحادي والعشرون: أنه قد استقرت حكمته سبحانه أن السعادة والنعيم والراحة لا يوصل إليها إلا على جسر المشقة والتعب، ولا يُدخَل إليها إلا من باب المكاره والصبر وتحمل المشاق، ولذلك حَفّ الجنة بالمكاره، والنار بالشهوات، ولذلك أَخْرَجَ صفيّه آدم من الجنة وقد خلقها

  1. (١) «م»: «والنور».
214

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي