شفاء العليل

الذي جعله إمامًا للناس، وتفريغ القلب لله، وإخلاص النية، وافتتاحها بكلمة جامعةٍ لمعاني العبودية، دالّةٍ على أصول الثناء وفروعه، مُخْرِجةٍ من القلب الالتفاتَ إلى ما سواه١، والإقبال على غيره.

فيقوم بقلبه الوقوفُ بين يدي عظيم جليل كبير، أكبر من كل شيء، وأجلّ من كل شيء، وأعظم من كل شيء، تلاشت في كبريائه السماوات وما أظلّت، والأرض وما أَقلّت، والعوالم كلها، عَنَت له الوجوه، وخضعت له الرقاب، وذلّت له الجبابرة، قاهرٌ فوق عباده، ناظرٌ إليهم، عالمٌ بما تُكِنّ صدورهم، يسمع كلامهم، ويرى مكانهم، ولا تخفى عليه خافية من أمرهم.

ثم أخذ في تسبيحه وحمده وذكره تبارك اسمه، وتعالى جدّه، وتفرُّدِه بالإلهية.

ثم أخذ في الثناء عليه بأفضل ما يُثْنَى عليه به من حمده وذكْر ربوبيته للعالَم، وإحسانه إليهم، ورحمته بهم، وتمجيده بالمُلك الأعظم في اليوم الذي لا يكون فيه مَلِك سواه، حين يجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد، ويدينهم بأعمالهم.

ثم إفراده بنوعي التوحيد: توحيدِ ربوبيته استعانةً به، وتوحيدِ إلهيته عبوديةً له.

ثم سؤاله أفضل مسؤول، وأجل مطلوب على الإطلاق، وهو هداية الصراط المستقيم الذي نَصَبه لأنبيائه ورسله وأتباعهم، وجعله صراطًا موصلًا لمن سلكه إليه وإلى جنته، وأنه صراط من اختصّهم بنعمته بأنْ

  1. (١) في متن «د» «م»: «على ما سواه»، والتصويب من حاشية «م».
221

عرفهم الحق، وجعلهم مُتّبعِين له، دون صراط أمة الغضب الذين عرفوا الحق ولم يتبعوه، وأهل الضلال الذين ضلوا عن معرفته واتباعه.

فتضمّنت تعريفَ الربّ، والطريقَ الموصل إليه، والغايةَ بعد الوصول.

وتضمّنت الثناءَ والدعاءَ، وأشرفَ الغايات وهي العبودية، وأقربَ الوسائل إليها وهي الاستعانة، مقدِّمًا فيها الغاية على الوسيلة، والمعبود المستعان على الفعل؛ إيذانًا بالاختصاص، وأن ذلك لا يصلح إلا له سبحانه.

وتضمّنت ذِكْرَ الإلهية والربوبية والرحمة، فيُثْنَى عليه ويُعبد بإلهيته، ويَخْلق ويَرْزق، ويميت ويحيي، ويدبر الملك، ويضلّ من يستحق الإضلال، ويغضب على من يستحق الغضب؛ بربوبيته وحكمته، ويُنْعِم ويَرْحم، ويجود ويعفو ويغفر، ويهدي ويتوب؛ برحمته.

فلله؛ كم في هذه السورة من أنواع المعارف والعلوم والتوحيد وحقائق الإيمان.

ثم يأخذ بعد ذلك في تلاوة ربيع القلوب، وشفاء الصدور، ونور البصائر، وحياة الأرواح، وهو كلام ربّ العالمين، فيحلّ به في ما شاء من روضات مُونِقات، وحدائق مُعْجِبات، زاهية أزهارها، مُونِقة ثمارها، قد ذُلِّلت قطوفها تذليلًا، وسُهِّلت لمتناولها تسهيلًا، فهو يجتني من تلك الثمار خيرًا يُؤمر به، وشرًّا يُنهى عنه، وحكمة وموعظة، وتبصرة وتذكرة وعبرة، وتقريرًا لحق، ودحضًا لباطل، وإزالة لشبهة، وجوابًا عن مسألة، وإيضاحًا لمُشكِل، وترغيبًا في أسبابِ فلاحٍ وسعادة، وتحذيرًا من أسبابِ خسرانٍ وشقاوة، ودعوة إلى هدى، ورَدّ عن ردى، فينزل على القلوب نزول الغيث

222

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي