شفاء العليل

على الأرض التي لا حياة لها بدونه، ويحل منها محل الأرواح من أبدانها.

فأي نعيم، وقرّة عين، ولذة قلب، وابتهاج وسرور؛ لا يحصل له في هذه المناجاة، والربّ تعالى يستمع لكلامه جاريًا على لسان عبده، ويقول: «حَمِدني عبدي، أثنى عليَّ عبدي، مجَّدَني عبدي»١.

ثم يعود إلى تكبير ربّه ﷿، فيجدد به عهد التذكرة، كونه أكبر من كل شيء بحق عبوديته، وما ينبغي أن يُعامَل به.

ثم يركع حانيًا له ظهره؛ خضوعًا لعظمته، وتذلُّلًا لعزّته، واستكانةً لجبروته، مسبّحًا له بذكر اسمه العظيم، فنَزَّهَ عظمته عن حال العبد وذلّه وخضوعه، وقابَلَ تلك العظمة بهذا الذل والانحناء والخضوع، قد تطامن وطأطأ رأسه، وطوى ظهره، وربّه فوقه يشاهده، ويرى خضوعه وذله، ويسمع كلامه، فهو ركن تعظيم وإجلال، كما قال ﷺ: «أما الركوع فعظّموا فيه الرب»٢.

ثم عاد إلى حاله من القيام حامدًا لربّه، مثنيًا عليه بأكمل محامده وأجمعها وأعمِّها، مثنيًا عليه بأنه أهل الثناء والمجد، ومعترفًا بعبوديته، شاهدًا له بتوحيده، وأنه لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، وأنه لا ينفع أصحابَ الجُدُودِ والأموالِ والحظوظِ جُدُودُهم عنه ولو عظمت.

ثم يعود إلى تكبيره، ويخرّ له ساجدًا على أشرف ما فيه وهو الوجه، فيعفِّره في التراب ذُلًّا بين يديه ومسكنةً وانكسارًا، وقد أخذ كل عضو من

  1. (١) جُمَل من حديث قدسي أخرجه بتمامه مسلم (٣٩٥) من حديث أبي هريرة.
  2. (٢) أخرجه مسلم (٤٧٩) من حديث ابن عباس.
223

البدن حظّه من هذا الخضوع، حتى أطراف الأنامل ورؤوس الأصابع، ونُدِبَ له أن يسجد معه ثيابه وشعره فلا يكفّه، وأن لا يكون بعضه محمولًا على١ بعض، وأن يباشرَ التراب بجبهته، وينالَ ثِقْلُ وجهِهِ المُصَلَّى٢، ويكون رأسه أسفل ما فيه تكميلًا للخضوع والتذلل لمن له العزّ كله والعظمة كلها، وهذا أيسر اليسير من حقه على عبده، فلو دام كذلك من حين خُلِق إلى أن يموت لما أدّى حق ربّه عليه.

ثم أُمِرَ أن يسبّح ربَّه الأعلى، فيذكر علوّه سبحانه في حال سفوله هو، وينزّهه عن مثل هذه الحال، وأنّ من هو فوق كل شيء، وعالٍ على كل شيء يُنَزَّه عن السفول بكل معنى، بل هو الأعلى بكل معنى من معاني العلو.

ولما كان هذا غاية ذلّ العبد وخضوعه وانكساره؛ كان أقرب ما يكون الربّ منه في هذه الحال، فأُمِر أن يجتهد في الدعاء لقربه من القريب المجيب، وقد قال تعالى: ﴿تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩].

وكان الركوع كالمقدمة بين يدي السجود والتوطئة له، فينتقل من خضوع إلى خضوع أكمل وأتم منه، وأرفع شأنًا.

وفُصِل بينهما بركن مقصود في نفسه، يجتهد فيه في الحمد والثناء والتمجيد، وجُعِل بين خضوعين: خضوعٍ قبله، وخضوعٍ بعده، وجُعِل خضوع السجود بعد الحمد والثناء والمجد، كما جُعِل خضوع الركوع بعد ذلك.

  1. (١) كذا في «د» «م»، والأقرب للمعنى: «مجموعًا إلى».
  2. (٢) انظر: «كتاب الصلاة» للمؤلف (٣٦٤).
224

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي